الواجهةسياسة

تحيين مبادرة الحكم الذاتي… خطوة جديدة في مسار ترسيخ الجهوية المتقدمة بالمغرب

شارك المقال
شارك المقال

نورالدين ثلاج -المقال المغربي 

جاء خطاب الملك محمد السادس، عقب مصادقة مجلس الأمن الدولي على قرار يعزز الموقف المغربي بشأن الصحراء، ليؤكد مرة أخرى ثبات الرؤية المغربية القائمة على الحل الواقعي والدائم المتمثل في مبادرة الحكم الذاتي. غير أن البعد الأبرز في هذا الخطاب هو إعلان ملك البلاد عن تحيين وتفصيل هذه المبادرة لتكون أكثر انسجامًا مع التطورات الإقليمية والدولية، وفي الوقت نفسه أكثر ارتباطًا بمسار الجهوية المتقدمة الذي تبنته المملكة منذ إقرار دستور 2011.

إن الربط بين الحكم الذاتي والجهوية الموسعة ليس مجرد صدفة لغوية، بل يعكس رؤية سياسية متكاملة تعتبر أن الحكم الذاتي المقترح للأقاليم الجنوبية ليس نظامًا استثنائيًا، وإنما تجسيد متقدم لمفهوم اللامركزية الواسعة التي تقوم عليها الجهوية المتقدمة. فالمغرب من خلال هذا الربط، يقدم نموذجًا جديدًا للحكم المحلي يزاوج بين احترام الخصوصيات الترابية وضمان الوحدة الوطنية والسيادة الكاملة للدولة.

وفي حال توصل المغرب وجبهة البوليساريو إلى توافق سياسي ضمن مبادرة الحكم الذاتي، فإن جهة الصحراء ستشهد تنظيم انتخابات تشريعية وجماعية لتشكيل برلمانها ومجالسها المنتخبة، ما يمنحها طابعها الخاص واستقلالية نسبية في التدبير المحلي ضمن إطار الدولة المغربية. ويعكس هذا التحرك التطبيق العملي لمبادئ الجهوية الموسعة، حيث تصبح جهة الصحراء مختبرًا للحكم الذاتي، ومن ثم يتم إسقاط هذا النموذج على باقي جهات المملكة لضمان التوازن والانسجام بين الجهات.

منذ إطلاق ورش الجهوية المتقدمة، والبلاد تتجه نحو ترسيخ مبادئ الديمقراطية المحلية والتدبير الذاتي للموارد، في إطار من التضامن والتكامل بين الجهات. وقد جاء الدستور الجديد ليمنح هذا المشروع بعدًا دستوريًا متينًا، يؤكد أن الجهوية ليست مجرد إصلاح إداري، بل خيار استراتيجي يروم إعادة هيكلة الدولة على أسس أكثر توازنًا وعدالة.

وفي هذا السياق، يمكن اعتبار تحيين مبادرة الحكم الذاتي استمرارًا طبيعيًا لهذا المسار الإصلاحي، وتجسيدًا عمليًا لتوجه المغرب نحو تعميق اللامركزية.

إن تطوير مقترح الحكم الذاتي لا يقتصر على البعد السياسي فحسب، بل يشمل أيضًا الأبعاد الاقتصادية والتنموية، إذ يسعى إلى جعل الأقاليم الجنوبية محورًا للنموذج التنموي الجديد للمملكة، وفضاءً للعدالة المجالية والمبادرة المحلية. فالمغرب يريد من خلال هذا التحيين أن يبرهن على أن الحكم الذاتي ليس مجرد تسوية سياسية لقضية إقليمية، بل هو مشروع تنموي شامل منسجم مع الرؤية الوطنية لبناء مغرب الجهات المتوازنة.

وهكذا، فإن تأكيد الملك على أن تحسين مقترح الحكم الذاتي باعتباره نسخة من الجهوية الموسعة سيقود إلى تحيين هذه الجهوية لتكون كل جهات المملكة متساوية، يجسد رؤية شاملة لمغرب موحد في سيادته، متعدد في تعبيراته الجهوية، ومتوازن في تنميته. إنها رؤية تقوم على الاندماج الوطني في إطار التعدد، وعلى المساواة بين الجهات في الحقوق والواجبات، بما يجعل من الجهوية المتقدمة والإصلاح الترابي حجر الزاوية في بناء الدولة المغربية الحديثة.

اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *