الواجهة

حين تتحول إدارة الضرائب إلى عيادة نفسية… والموظف إلى “كبش فداء” دائم

شارك المقال
شارك المقال

الدار البيضاء : بوعزة البيضاوي 

في المخيال الجماعي، يبدو موظف الضرائب شخصاً محاطاً بالأرقام والجداول والتصريحات الجبائية، يجلس خلف مكتبه البارد ليوقع القرارات ويطالب المواطنين بالأداء. لكن خلف هذا المشهد الإداري الصامت، تختبئ حكاية أخرى أقل ظهوراً وأكثر قسوة، حكاية موظفين تحول جزء كبير منهم إلى مرضى ضغط الدم والقلق والأرق، حتى أصبحت بعض المكاتب الجبائية أقرب إلى عيادات نفسية غير معلنة منها إلى مرافق إدارية عادية.

ففي زمن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، أصبح موظف إدارة الضرائب الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من القرارات والسياسات العمومية. المواطن الغاضب من الضرائب يفرغ غضبه فيه، والمقاول المتضرر يوجه سهامه نحوه، والملزم بالأداء يعتبره خصماً شخصياً، بينما الحقيقة أن الرجل أو المرأة الجالسين خلف المكتب لا يملكان في الغالب سوى تطبيق النصوص القانونية التي وضعتها جهات أخرى.

إنها مفارقة مغربية بامتياز؛ فكلما ارتفع منسوب الاحتقان الاجتماعي، تحول موظف الضرائب إلى “صندوق شكايات بشري” يستقبل يومياً موجات الغضب والتذمر والاحتجاج. وكأن الدولة اختارت أن تضعه في الواجهة ليؤدي ضريبة لا ينص عليها أي قانون جبائي: ضريبة الأعصاب المستنزفة.

ولعل أكثر ما يثير السخرية أن الخطابات الرسمية لا تتوقف عن الحديث عن الرقمنة والحكامة وتحسين المردودية ورفع مؤشرات الأداء، بينما يظل الحديث عن الصحة النفسية للموظف نوعاً من الترف الإداري الذي لا مكان له في جداول الإحصائيات. فالمطلوب هو تحقيق الأهداف، أما من سيدفع الثمن صحياً ونفسياً فذلك شأن آخر.

داخل العديد من المصالح الجبائية، أصبحت أدوية التوتر وارتفاع الضغط وبعض المهدئات ضيوفاً دائمين في حقائب الموظفين. بعضهم يحصي الملفات أكثر مما يحصي ساعات النوم، وآخرون أصبحوا يحفظون مواعيد الأطباء النفسانيين كما يحفظون مقتضيات المدونة العامة للضرائب. أما الاحتراق المهني فقد تحول إلى رفيق يومي يتسلل بصمت بين أكوام الملفات المتراكمة.

المفارقة الأكثر مرارة أن الإدارة الجبائية تعتبر من أكثر الإدارات مساهمة في تمويل السياسات العمومية والمشاريع الكبرى، لكنها في المقابل لا تزال عاجزة عن توفير الحد الأدنى من المواكبة النفسية لموظفيها. وكأن المطلوب من هؤلاء أن يتحولوا إلى آلات إلكترونية قادرة على تحمل الضغط بلا حدود، لا بشر لهم أعصاب وأسر وحياة خاصة.

إن الحديث اليوم عن تحسين ظروف العمل داخل إدارة الضرائب لم يعد مطلباً نقابياً عادياً أو ترفاً مهنياً، بل أصبح ضرورة ملحة. فالإدارة التي تستنزف موظفيها نفسياً لا يمكنها أن تنتج خدمة عمومية متوازنة، والموظف الذي يقضي يومه بين التوتر والاحتقان لا يمكن أن يقدم أفضل ما لديه مهما بلغت كفاءته.

وفي انتظار أن تلتفت الجهات الوصية إلى هذا النزيف الصامت، سيظل موظف الضرائب يؤدي دور “البطل المجهول” الذي يتحمل غضب الجميع ويصمت. وسيظل السؤال معلقاً فوق مكاتب الإدارات الجبائية: هل المطلوب تحصيل الضرائب فقط، أم تحصيل ما تبقى من أعصاب الموظفين أيضاً؟

اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *