الواجهةسياسةمجتمع

ملفات الفساد في إقليم خريبكة: تحديات المصداقية ومحاسبة الفاسدين

نورالدين ثلاج -المقال المغربي 

شهدت العديد من الجماعات المحلية الحضرية والقروية في إقليم خريبكة والجهة، منذ سنوات، مجموعة من القضايا التي كانت محط جدل واسع، بعدما تم الكشف عن ملفات فساد تتعلق بتبديد واختلاس أموال عمومية، تورط فيها منتخبون ورؤساء مجالس جماعية، وأعضاء في مجلس الجهات، إضافة إلى عدد من البرلمانيين، حيث تم التداول في هذه الملفات في محكمة جرائم الأموال بالعاصمة الاقتصادية للمملكة، وصدرت في شأنها أحكام ابتدائية وأخرى نهائية أدت إلى عزل البعض من مناصبهم، وسجن آخرين.

تعززت هذه التفاعلات القانونية والمتابعات القضائية مع الضغوطات الشعبية التي تدعو إلى ضرورة مكافحة الفساد ومحاربة هدر المال العام، مما كشف عن أهمية الدور الرقابي الذي يمكن أن تقوم به المؤسسات القانونية، وحاجة المجتمع إلى الإصلاحات الجذرية التي تضمن عدم استغلال النفوذ لتحقيق مصالح شخصية على حساب المصلحة العامة، حيث تثار تساؤلات حول تأثير هذه الملفات على مصداقية الجمعيات التي تدافع عن المال العام، لاسيما في الحالات التي يتولى فيها رؤساء هذه الجمعيات أو أعضاء منها مهام داخل المجالس المنتخبة، إذ تتداخل المصالح الشخصية مع المسؤوليات العامة، في كثير من الأحيان، ويتسرب القلق حول التزام هؤلاء المسؤولين بمبادئ الشفافية والنزاهة.

ازدواجية المهام والمصداقية: قضية حساسة

تواصل الوزارات المعنية والحكومة المغربية العمل على إصدار قوانين تسعى إلى مواجهة هذه المعضلة، وهو ما تجلى في إصرار وزير العدل المغربي، عبداللطيف وهبي على موقفه المعارض لتقديم الجمعيات شكاوى قانونية ضد الفساد واختلاس المال العام، حيث صرح أمام أعضاء لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات خلال مناقشة مشروع المسطرة الجنائية، بتشديده على إدراج منع الجمعيات والأفراد من التبليغ عن جرائم المال العام في المادة الثالثة من  مشروع القانون الجنائي، الأمر الذي سيقوض جهود الجمعيات التي تدافع عن المال العام في ظل هذه السياسات.

انتفاضة جمعيات الدفاع عن المال ضد الوزير

لم تستسغ الجمعيات والمنظمات المدافعة عن المال العام إصرار وزير العدل المغربي على تقزيم أدوارها في الدفاع عن أموال دافعي الضرائب ومحاربة كل أشكال الفساد بالمغرب، حيث قال محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام في تدوينة فايسبوكية ” إن خطورة المادة 3 من مشروع قانون المسطرة الجنائية هو سعي مافيا الفساد لاختراق مؤسسات الدولة وجعلها تحت سلطتها…”

وأضاف: “إن أخطر ماتحمله المادة 3 من مشروع قانون المسطرة الجنائية ليس هو منع الجمعيات والأفراد من التبليغ عن جرائم المال العام ،بل هو منع النيابة العامة من تحريك الابحاث القضائية في جرائم المال العام بشكل تلقائي”.

وزاد “يبدو أن وزير العدل واثق من نفسه ومما يقول، وهو مايوحي بأن جهة ما يستقوي بها منحته الضوء الأخضر لتمرير هذه المادة”

وختم محمد الغلوسي:” باي باي نص القانون الذي يفرض على الناس التبليغ عن جريمة يعلمون بحدوثها…باي باي أقسام جرائم المال العام لدى محاكم الاستئناف الأربعة…باي باي قانون حماية المبلغين عن جرائم الفساد…باي باي الجمعيات المدافعة عن المال العام…باي باي النيابة العامة…مرحبا بمافيات وشبكات الفساد”

ازدواجية الأدوار ومصداقية جمعيات حماية المال العام

تعتبر الازدواجية في الأدوار واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الجمعيات التي تعمل في مجال مكافحة الفساد وهدر المال العام، حيث تظهر هذه الازدواجية بشكل واضح عندما يتم الجمع بين مهمة الدفاع عن المال العام وبين شغل بعض رؤساء أو أعضاء الجمعيات مناصب في المجالس المنتخبة، وهو ما يخلق تضاربًا في المصالح قد يؤثر على مصداقية هذه الجمعيات وقدرتها على تحقيق أهدافها، فتصبح المصالح السياسية والخاصة في وضع تعارض مع المصلحة العامة، ويصبح التعامل مع ملفات الفساد بنوع من الانتقائية والانتماء الحزبي والمصالح الخاصة، ويتحول الدفاع عن المال العام إلى سوط بيد الجمعيات ذات التوجه السياسي من أجل ضرب الخصوم والانتقام منهم.

آليات تجاوز الازدواجية: ضرورة الإصلاح والتشريعات الرادعة

يمكن اقتراح مجموعة من الآليات التي تضمن تكامل العمل الجمعوي والسياسي دون التأثير على مصداقية الطرفين، عبر تشديد الرقابة الداخلية والخارجية، كأول خطوة يجب اتخاذها، من خلال تفعيل آليات الرقابة الداخلية في الجمعيات المعنية،  بفرض إجراءات للمراجعة المستمرة للأنشطة المالية والإدارية للجمعية لضمان عدم استغلال المناصب لتحقيق مصالح شخصية، وضرورة توفر آليات رقابة خارجية من قبل هيئات مستقلة لضمان النزاهة والشفافية في أنشطة الجمعيات، وذلك بالإضافة إلى تعزيز الشفافية، بأن تلتزم جمعيات حماية المال العام بأعلى معايير الشفافية في أنشطتها، وذلك عبر نشر تقارير سنوية مفصلة حول مصادر تمويلها وأوجه صرف الأموال، إضافة إلى إطلاع الجمهور على المشاريع التي تشرف عليها. كما ينبغي نشر تفاصيل عن آلية اتخاذ القرارات في الجمعية لضمان مشاركة جميع الأطراف المعنية في صنع القرار.

ويعتبر فصل الأدوار بين العمل السياسي والمهام الحقوقية ضرورة لتفادي تداخلهما، مما يتطلب وضع قوانين أو ميثاق داخلي يفرض على أعضاء الجمعيات أو المسؤولين في مكاتبها التنفيذية عدم الترشح لأي مناصب سياسية أو الانتخابية خلال فترة نشاطهم في الجمعية، مما يحد من تضارب المصالح، فضلا عن فعيل تشريعات مكافحة الفساد، بتشديد الحكومة الإجراءات التشريعية فيما يتعلق بمكافحة الفساد وحماية المال العام، عبر إدخال تعديلات على قوانين الجمعيات بحيث تضمن عدم تساهل مع المسؤولين في الجمعيات أو الجهات الحكومية التي يثبت تورطها في قضايا فساد، علاوة على تفعيل القوانين المتعلقة بتجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح بشكل جاد، حيث ستقوي هذه الآليات دور الجمعيات الحقوقية المستقلة التي تعمل على تقديم شكاوى ضد الفساد

خلاصة

إن محاربة الفساد وحماية المال العام هي مسؤولية جماعية تتطلب تنسيقًا بين الهيئات الحكومية والمجتمع المدني، وهو ما يتطلب الشفافية والنزاهة، وتوافر آليات لمحاربة تداخل الأدوار بين العمل السياسي والعمل الجمعوي، حتى تسهم هذه الجمعيات في تحقيق العدالة والحفاظ على الأموال العامة، بعيدًا عن أي تأثيرات سياسية أو مصالح شخصية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى