كتاب وآراء

القدوة بين القيم الرمزية والمجتمعية والقيم الافتراضية المادية

بقلم سعيد بنيس

تحيل لفظة القدوة عامة على دور النموذج المثالي أو المرجعي في التمثلات حول مقولة النجاح والتميز من خلال تقليده بشحنة مجتمعية مفادها التحفيز الفردي والمثابرة من أجل الحظوة والتميز.

مع الولوج للعهد الرقمي، صارت القدوة ترتبط عند الأطفال واليافعين والشباب بما يطلق عليه حديثا بقصص النجاح أو القصص الناجحة.

كما أضحت مقولة القدوة تنحو منحى افتراضيا، فتوارت القدوات الواقعية وأصبحت من الماضي، لا سيما مع التحول الذي مس منظومة المواطنة وهوية الأفراد (هوية مزدوجة واقعية ورقمية)، لصالح قدوات ديجيتالية، مما نتج عنه تيه وتشتت فيما يتعلق بصورة النموذج القدوة.

كما أن هذه التحولات التي طرأت على مفهوم القدوة نقلت مقولة القدوة من حمولة رمزية تختزل النموذج القدوة في بعض الممارسات الدينية («مِنْ الدَّارْ للِجَّامَعْ وَمَنْ الجَّامَعْ للِدَّارْ” – “مَاتَتْفُوتُوشْ الصَّلاَةْ فْ الجَّامَعْ”) ، وأخرى مجتمعية ترتبط ببعض المهن والوظائف (معلم، أستاذ، طبيب، مهندس، قاض …) إلى شحنة ديجيتالية ترتكز على بعض الشخوصات الافتراضية مثل اليوتبرز والستريمر والتيكتوكر.. وعدد المتابعات وخطاب “البوز” («قَافَزْ” – “بْرِيكَادْ”- “الرجولة” – “هَارَبْ” – “بْرُو مَاكْسْ” … )، فتم الانتقال من قدوة مؤسسة على قيم رمزية ومجتمعية مثالية إلى قدوة ترتكز على قيم افتراضية مادية ربحية.

يوازي هذا الانتقال القيمي تغير في بروفايل القدوة، فأصبح بروفايل القدوة مرتبطا بلاعب كرة القدم أو بمغني أو بفنان أوبكوميدي أو بصحفي أو تيكتوكر أو يوتبرز أو ستريمر، أو ما يطلق عليهم عامة ب ” المؤثرين”…

في هذا الخضم صارت التمثلات حول مقولة القدوة رهينة المعنى الجديد للحظوة المجتمعية التي تحددها وتضبط إيقاعها “الشهرة الديجيتالية”، والتي تبنى أساسا على الريع الافتراضي وليس على الاستحقاق الواقعي.

ويظل السؤال الراهن هو: كيف يمكن إعادة الاعتبار لفحوى العمل والجهد والاستحقاق وبالتالي إنصاف مقولة القدوة الواقعية في سياق سطوة القدوة الصاعدة من الفضاء الافتراضي؟ في هذا الباب يتوجب على محاضن التربية والتنشئة بما فيها الأسرة والعائلة والمدرسة والجامعة والحزب والنقابة والجمعية والنادي وجمعيات الآباء … أن تسترجع أدوارها الرمزية والمحورية، وأن يتم التحول من منطق سوق الشغل ومنطق القيم المادية إلى منطق المصفوفة القيمية وسمو القيم اللامادية مثل النبل والصدق والتضامن والمواطنة والالتزام والممارسات الإيجابية التي يحتضنها المشترك المغربي والتي تحدد بروفايل القدوة المتعارف عليه لدى جميع المغاربة والتي يعبر عنها من خلال معجم وحقل دلالي يحيل على “وَلْدْ النَّاسْ” / “مَعْقُولْ” / “مْرَبِّي” / “عَنْدُو الكَلْمَة” / “رَاجْلْ” …

لهذا يبدو أن الحاجة صارت ملحة وضرورية لكي تعتمد المدرسة المغربية على مرتكز “التربية” عوض مرتكز “التعليم” من خلال إحداث مواد ومسارات وورشات لتثبيت ركائز التربية الأخلاقية والممارسات القيمية بهدف تجنب المأزق القيمي الصاعد من الريبرتوار الديجيتالي المغربي (“روتيني اليومي” والشخوصات العنيفة والصدامية والسرديات الهامشية، والانهزامية الهوياتية والخطاب العدمي وثقافة الكراهية وسلوكات التحرش وبلاغة التنمر …)، واستشراف إصلاح تربوي يستمد روحه وقوته من برامج “تربية قيمية مستدامة”، لكي لا نسهم في صنع وبناء قدوات مجتمعية (طبيب / مهندس / أستاذ/ معلم / تقني …) تفتقر للحد الأدنى من القيم المُوَاطِنَة وهدفها وهمها الوحيد هو الهجرة إلى الخارج… وكذلك لإحلال “إقلاع قيمي” وعدالة قيمية لمعالجة النقص والفراغ القيمي الذي تعاني منه بعض الفئات من الأطفال والتلاميذ واليافعين والشباب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى