المقال المغربي من الرباط
يشهد حزب الأصالة والمعاصرة بجهة بني ملال-خنيفرة حراكا داخليا متسارعا، يعكس صراعا صامتا في الظاهر، لكنه عميق في الجوهر، بين قيادات تسعى إلى إعادة رسم موازين النفوذ استعداداً للاستحقاقات القادمة، سواء البرلمانية لسنة 2026 أو الجهوية لسنة 2027.
وفي قلب هذا الحراك، يبرز اسم هشام الصابري كاتب الدولة المكلف بالتشغيل، في مواجهة عادل البراكات رئيس مجلس الجهة الحالي، في تنافس يتجاوز أبعاده الحسابات التنظيمية الضيقة ليصل إلى إعادة ترتيب مراكز القوة داخل الحزب على المستويين الجهوي والوطني .
فالصابري الذي صعد إلى الواجهة الحكومية بدعم مباشر من سمير كودار، لم يكن تعيينه مجرد خطوة لتوسيع التمثيلية الحكومية للحزب، بل كان خطوة محسوبة لإعادة توزيع النفوذ داخل هياكل القرار الحزبي، خصوصا فيما يتعلق بالتوازنات المرتبطة بوزارة التشغيل، علاوة على ذلك يُنظر إلى هذا الدعم على أنه محاولة لتطويق نفوذ الوزير يونس السكوري، وخلق مركز تأثير موازٍ داخل الحزب يمكنه التحكم في مفاصل القرار المرتبط بالقطاع، وهو ما يعكس حساسية الصراع على النفوذ داخل الحزب .
ومع ذلك تشير المعطيات الداخلية إلى أن فرص الصابري في الاستمرار ضمن الحكومة المقبلة تبقى محدودة لاعتبارات موضوعية وتنظيمية، بما فيها توزيع المقاعد الوزارية وحسابات التحالفات الداخلية، ومن هنا يتضح أن طموحه الجهوي أصبح أكثر وضوحاً، إذ يبدو أن الرهان الحقيقي لم يعد الاستوزار بقدر ما أصبح التموقع المبكر لمعركة رئاسة جهة بني ملال-خنيفرة سنة 2027، وهي معركة بدأت إرهاصاتها منذ الآن داخل الكواليس الحزبية، ورغم أن علاقته في السابق برئيس الجهة السابق إبراهيم مجاهد كانت جيدة ومثمرة، فإنها تعيش اليوم أسوأ مراحلها، بعدما تدهورت بشكل لافت على خلفية ارتباطات مجاهد بمول الفرماج عبد الرحيم بن الضو، وهي قصة أخرى تلقي بظلالها على توازنات الدعم داخل الجهة، وتحدّ من إمكانية استثمار الصابري لذلك الامتداد التقليدي الذي كان يُعوَّل عليه سابقاً .
في المقابل يتمتع عادل البراكات بقاعدة تنظيمية صلبة، فالرجل الذي استقطبه فاتح الذهبي إلى الحزب، نجح في ترسيخ حضوره الترابي وتثبيت شبكة علاقاته مع المنتخبين المحليين، مستفيداً من موقعه التنفيذي داخل الجهة ومن دينامية المشاريع التنموية، وهو ما يمنحه شرعية ميدانية يصعب تجاوزها في أي حسابات انتخابية قادمة، ومن جهة أخرى تجعل هذه الأرضية أي تحرك ضده معقدا، وتؤكد أن المنافسة بينه وبين الصابري لن تكون مجرد صراع على الرئاسة، بل اختباراً لإدارة النفوذ السياسي داخل الحزب .
ويزداد المشهد تعقيداً بالنظر إلى شبكة التحالفات التي تحيط بالصراع، حيث يحرص كل طرف على تأمين دعم قيادات محلية ووطنية، فالصابري يستفيد من الزخم الذي اكتسبه عبر الدعم المباشر من سمير كودار وربطه بشخصيات فاعلة مثل إبراهيم مجاهد، بينما يعتمد بركات على تحالفاته مع المنتخبين المحليين ومشاريع التنمية التي تبني قاعدة شرعية قوية، ما يجعل أي مواجهة محتملة بينهما شديدة التعقيد، ويؤكد أن الصراع يمتد إلى ما وراء الحسابات المباشرة للجهة.
أما الخريطة الانتخابية الحالية، فتمنح حزب الأصالة والمعاصرة أفضلية نسبية داخل الجهة، مع توقع الحصول على مقعد أو مقعدين ببني ملال، ومقعد إلى مقعدين بأزيلال، ومقعد بخريبكة، مقابل حظوظ ضعيفة بخنيفرة. ومن هذا المنطلق تصبح رئاسة الجهة رهينة ليس فقط بعدد المقاعد، بل بقدرة كل طرف على بناء تحالفات داخلية محكمة، وهو ما يفسر حالة الاستقطاب الهادئ بين معسكري الصابري والبراكات، ويطرح تحدياً كبيراً أمام القيادة الوطنية للحزب لإدارة التوازنات دون الإضرار بوحدة التنظيم .
وفي ظل غياب توافق نهائي حول بعض الأسماء المرشحة للاستحقاقات المقبلة، تتجه الأنظار إلى القيادة الوطنية للحزب التي تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: هل تحافظ على وحدة التنظيم داخل جهة استراتيجية انتخابياً، أم تترك التنافس الداخلي يأخذ مداه بما قد يفرز اصطفافات حادة يصعب ضبطها لاحقاً؟ ومع ذلك يحمل الصراع الحالي، وإن بدا طبيعيا في سياق التنافس الديمقراطي، مؤشرات قوية على احتمال الانقسام، الذي قد يؤثر ليس فقط على الأداء الانتخابي للبرلمان المقبل، بل أيضاً على الاستحقاقات الجهوية في 2027 .
والخفي في هذا الصراع تكشف المعطيات غير المعلنة أن دعم سمير كودار للصابري لم يكن فقط لتقوية حضوره الحكومي، بل أيضا لإحداث توازن داخلي يحد من تمركز النفوذ حول أسماء بعينها داخل الحزب، خاصة في القطاعات الحيوية .
إضافة إلى ذلك يفسر طموح الصابري الجهوي حركته المكثفة على الأرض، حيث يسعى لتأمين التحالفات المبكرة وإعادة تشكيل الخريطة الانتخابية وفق مصلحته، بينما يعمل البراكات على تحصين موقعه عبر تعزيز شبكة علاقاته المحلية والاعتماد على إنجازاته التنموية، ما يجعل أي مواجهة محتملة معقدة للغاية.
إن ما يجري اليوم داخل الأصالة والمعاصرة بجهة بني ملال-خنيفرة ليس مجرد تنافس بين شخصيتين، بل اختبار حقيقي لقدرة الحزب على إدارة انتقالات النفوذ داخلياً دون خسائر تنظيمية، فإما أن ينجح في تحويل هذا التنافس إلى دينامية تجديد متوازنة، أو يجد نفسه أمام استقطاب صامت قد يُربك حساباته في محطة 2026 البرلمانية ومحطة 2027 الجهوية، وهو ما يضع مستقبل الحزب داخل الجهة أمام مفترق حقيقي يتطلب حنكة سياسية عالية ورؤية واضحة .
اترك تعليقا