نورالدين ثلاج- المقال المغربي
في شوارع خريبكة، التي كانت يوماً قلب الصناعة الفوسفاطية النابض، يتردد سؤال واحد على ألسنة السكان: أين تذهب كل تلك الأموال التي تتحرك في سوق العقار؟
فرغم الرواج المالي الكبير، الذي يتغذى على ملايين الدراهم المتداولة بين “الطالع” و”النوار”، يظل الواقع الاقتصادي والتنموي للمدينة جامداً، وكأن هذه الثروة تعبر من هنا لتسافر بعيداً.
أبطال المشهد، وفق شهادات متطابقة، هم منعشون عقاريون، كثير منهم موظفون سابقون في البنوك أو مهاجرون عادوا من ديار المهجر. هؤلاء سرعان ما فهموا أن مفاتيح الربح السريع لا تكمن فقط في رأس المال، بل في الوصول إلى قلب القرار العمراني.
السياسة.. بوابة الثراء السريع
لم يكتفِ لوبي العقار في خريبكة بالعمل في الظل، بل اقتحموا العمل السياسي، ونجحوا في اعتلاء مناصب تتيح لهم الاطلاع على أسرار التعمير وتصاميم التهيئة قبل وصولها للعلن. الخطوة التالية كانت مدروسة: شراء أراضٍ بأثمان زهيدة، غالباً في أطراف المدينة أو في مناطق مهمشة، ثم السعي لضمها إلى تصاميم التهيئة الحضرية.
وبمجرد أن يتم ذلك، تقفز أسعار هذه الأراضي إلى أضعاف مضاعفة، فتتحول الصفقة إلى منجم ذهب يدرّ الملايين.
النتيجة.. عمارات شاهقة ومدينة راكدة
على الورق، يبدو أن البناء يزدهر: أبراج، تجزئات، وإقامات سكنية فاخرة، لكن الواقع الميداني يكشف مفارقة صارخة: التنمية الحضرية تسير في مسار، بينما التنمية الاقتصادية والاجتماعية تسير في مسار آخر، إن لم نقل إنها متوقفة تماماً. فلا مصانع جديدة، ولا مشاريع مهيكلة توفر فرص عمل، ولا بنية تحتية حديثة تواكب هذا “الطفرة العقارية”.
أرباح خاصة.. وخسارة جماعية
اقتصادياً، تؤدي هذه الممارسات إلى تجميد السيولة داخل جيوب فئة محدودة، أو تهريبها إلى مدن أخرى أكثر جاذبية للاستثمار، تاركة خريبكة أسيرة اقتصاد الريع. أما اجتماعياً، فتتسع الفوارق الطبقية، ويتحول السكن من حاجة أساسية إلى سلعة مضاربة، ترتفع أسعارها بشكل يفوق قدرة أغلب الأسر.
خلاصة
خريبكة اليوم مثال حي على ما يسميه عالم الاجتماع بيير بورديو بـ”الهيمنة الرمزية”، حيث تتحكم نخبة محدودة في موارد المدينة، وتعيد إنتاج سيطرتها عبر أدوات السياسة والاقتصاد معاً.
وبينما تتراكم أرباح اللوبيات، يظل المواطن البسيط ينتظر نصيبه من التنمية، في مدينة يبدو أنها تُبنى بالأحجار، لكن تُهدم في قيم العدالة المجالية.
اترك تعليقا