بقلم : بوشعيب نجار
في زمنٍ اختلطت فيه الكوفية بالهوية، وصار “النضال” موسما افتراضيا يُستدعى عند الطلب، وجد ناصر بوريطة نفسه هدفاً لحملة تنمر ممنهجة، لا لشيء سوى لأنه يشتغل… بينما يكتفي خصومه بالضجيج.
هؤلاء الذين يرفعون شعارات “الممانعة” صباحا، ويخلدون إلى سبات سياسي عميق مساءً، لم يزعجهم لهيب الأسعار ولا اختناق القدرة الشرائية للمواطن المغربي، لكنهم فجأة استيقظوا بقدرة قادر حين تعلق الأمر بقضايا خارجية تُدار من خلف ستار أيديولوجي بئيس. هناك، فقط هناك، يستأسدون… وهناك فقط، يلبسون الكوفية كأنها صك غفران سياسي.
الغريب في الأمر، أن هذه الفئة التي نصّبت نفسها وصية على القضايا الكبرى، لم تُكلف نفسها عناء مساءلة أنظمتها “المرجعية”، ولا حتى طرح سؤال بسيط: لماذا يُطلب من المغاربة أن يتضامنوا مع أنظمة لا تتقاسم معهم لا التاريخ ولا المصير ولا حتى الحد الأدنى من الاحترام لسيادة الدول؟ أم أن “النضال” لديهم انتقائي، يُفصّل على المقاس، ويُلبس حسب الطلب؟
في المقابل، يواصل بوريطة عمله بهدوء الدبلوماسيين ودهاء الدولة. لا يصرخ، لا يزايد، ولا يبيع الوهم في سوق الشعارات. يشتغل وفق منطق المصالح العليا، ويُراكم النقاط في صمت، بينما ينشغل خصومه بعدّ اللايكات وإعادة تدوير خطابات مستهلكة.
لقد نجح المغرب، تحت قيادته الدبلوماسية، في تحقيق اختراقات وازنة على مستوى ملف الصحراء المغربية، واستطاع أن يُقنع عدداً متزايداً من الدول بجدية ومصداقية مقترح الحكم الذاتي. هذا ليس رأياً، بل واقع تؤكده مواقف دولية متتالية، وتُترجمه قنصليات فُتحت، وشراكات عُززت، واستثمارات وُجهت.
أما أولئك الذين يهاجمونه اليوم، فهم أنفسهم من يلوذون بالصمت حين يتعلق الأمر بما يجري داخل البلاد من قضايا اجتماعية حقيقية. لا صوت لهم في معركة الأسعار، ولا موقف لهم من اختلالات التنمية، لكنهم يتحولون فجأة إلى “محللين استراتيجيين” حين يتعلق الأمر بأجندات خارجية.
إنها مفارقة تستحق التأمل: وزير يُحاسب لأنه نجح، ومعارضون يُكافؤون رغم فشلهم في إقناع حتى محيطهم الضيق.
في النهاية، يبدو أن المعركة لم تعد بين أشخاص، بل بين منطقين: منطق الدولة الذي يُراكم الإنجاز بهدوء، ومنطق “الكوفيات” الذي يعيش على الصخب والاصطفاف الأعمى. وبين هذا وذاك، يظل الرهان الحقيقي هو تحصين الوعي، لأن أخطر ما في هذه الحملات ليس ضجيجها… بل قدرتها على تسويق الوهم في ثوب الحقيقة.
اترك تعليقا