كتاب وآراء

طه عبد الرحمن وفردانية الإنسان الحداثي

شارك المقال
شارك المقال

بقلم محمد بوعلي

لا يمكن فهم الحداثة الغربية دون استيعاب البنية العميقة لفكرة الفردانية التي شكلت جوهر المشروع الحداثي منذ تشكلاته الأولى في فلسفات الذات والعقلانية الوضعية.

لقد انطلقت الحداثة من وعد عظيم بتحرير الإنسان من كل القيود، معلنة أن الإنسان، باعتباره كائنا عاقلا، قادر على تشييد عالمه وتحديد مصيره دون وساطة ميتافيزيقية أو وصاية دينية.

لكن هذا المشروع الذي استبشر به الإنسان الحداثي، سرعان ما انقلب عليه، حيث تحولت الفردانية من إمكان وجودي يفتح آفاق الحرية، إلى مأزق كينوني يُغرق الإنسان في عزلة الذات وانكماش الأنا.

هذا التشخيص الحاد لبنية الفردانية الحداثية هو ما انبرى إليه طه عبد الرحمن في مجمل أعماله، مفككا أوهامه، ومبينا أن الفردانية ليست سوى “تشييء للإنسان في صورة الذات المنعزلة”، حيث تنفصل الذات عن كل علائقها الأخلاقية والوجودية.

يرى طه عبد الرحمن أن الفردانية الحداثية قد تأسست على “نزعة إلى الانفصال”، أي إلى جعل الذات كيانا مكتفيا بذاته، يستمد وجوده ومعناه من ذاته فقط، وهو ما يسميه بـ”التجريد الذاتي” الذي يعتبره من أخطر مخرجات التفكير الحداثي. فالإنسان في المنظور الحداثي ينتزع من شبكة العلاقات التي تشكل هويته الحقيقية: علاقة بالغير، علاقة بالعالم، علاقة بالمطلق، ليُعاد تشكيله كـ”فاعل فرداني” لا يعترف إلا بما يصدر عن ذاته.

على هذا النحو، إن الحداثة في سعيها إلى جعل الإنسان مركز الكون، قد اختزلت الوجود الإنساني في الفعل الأداتي؛ أي الفعل الذي يبتغي السيطرة على العالم واستثماره لصالح الذات الفردية.

وعليه، فإن العلاقة بالآخر لم تعد تُبنى على ميثاق أخلاقي قائم على الاعتراف والتكامل، بل أصبحت تُبنى على منطق المنفعة والمصلحة، حيث يصبح الآخر مجرد “وسيلة” لتحقيق غايات الذات. وهنا يبرز ما يسميه طه عبد الرحمن بـ”الفاعلية المنفعية”، أي أن الإنسان الحداثي لا يفعل الشيء إلا لأنه نافع له، بصرف النظر عن كونه حقا أو باطلا، خيرا أو شرا.

إن الأزمة العميقة التي تعيشها الفردانية الحداثية لا تقتصر على الجانب الأخلاقي فحسب، بل تمتد إلى البنية الوجودية للإنسان. فالإنسان الفرداني يعيش في قطيعة مع مصادر الروح، مما يجعله عرضة للفراغ الوجودي والقلق الروحي. لقد تنبه طه عبد الرحمن إلى أن هذا الفراغ ليس عارضا في المشروع الحداثي، بل هو نتيجة منطقية لفلسفة فصل الذات عن “الروح”؛ تلك الروح التي تشكل عمق الكينونة الإنسانية، والتي بدونها يغدو الإنسان مجرد “مادة عاقلة” تتقاذفها الأهواء والرغبات.

وفي هذا السياق، يؤكد طه عبد الرحمن أن “الإنسان الحداثي استبدل الروح بالعقل، فخسر الروح ولم يمتلك العقل”، مما يعني أن الفردانية الحداثية قد أنتجت إنسانا مفرغا من جوهره، أسيرا لعقلانية صمّاء.

ولا يقف طه عبد الرحمن عند نقد الفرضيات النظرية للفردانية الحداثية، بل يتتبع آثارها العملية في الحياة الاجتماعية والثقافية، حيث يشير إلى أن هذه الفردانية قد خلقت مجتمعات مفككة، تعيش حالة من “التذرر الاجتماعي”، بحيث يصبح كل فرد “جزيرة منعزلة” تلهث خلف مصالحها الذاتية دون أدنى اعتبار لمصير الجماعة أو مسؤولية العيش المشترك.

ويذهب إلى أن الحداثة، بحكم هذا النزوع الفرداني، قد حوّلت الإنسان إلى “كائن استهلاكي” يقاس وجوده بمقدار ما يستهلكه وما يظهره من صور براقة للنجاح الفردي، حتى أصبح الإنسان الحديث رهينة لثقافة “الاستعراض” التي تفرغ أفعاله من أي مضمون قيمي حقيقي.

تأسيسا على الآنف، إن السبيل إلى تجاوز هذا المأزق الفرداني، لا يمكن أن يكون بالعودة إلى الأطر التقليدية الجامدة، بل يجب أن يكون عبر استعادة “الروحانية المؤصلة”، أي تلك الروحانية التي تعترف بالإنسان ككائن علائقي، لا يتحقق وجوده إلا من خلال انخراطه في ميثاق أخلاقي مع الآخر ومع المطلق.

ولذا يقترح طه عبد الرحمن بديلا قوامه “التخلية والتحلية”، حيث يفرغ الإنسان ذاته من الأهواء الفردانية، ويتحلّى بفضائل الرحمة والتواضع والخدمة، ليعيد نسج ذاته في أفق المشترك الإنساني.

إن ما يطرحه طه عبد الرحمن في نقده للفردانية الحداثية ليس مجرّد اعتراض أخلاقي أو دعوة وعظية إلى استرجاع القيم، بل هو تفكيك جذري للأنساق المؤسسة للفكر الحداثي، إذ يرى أن الحداثة، في صيغتها الغالبة، قد ارتكزت على “مفهوم مشوه للحرية”، يفهم فيه التحرر بوصفه تملصا من كل التزام ورفضا لكل تبعية.

وهذا المفهوم، حسب طه، يفضي إلى “عبودية جديدة”، لا تمارس من خارج الذات، بل من داخلها، عبر تضخم الأنا وتقييده في دائرة الرغبة. ومن مظاهر هذا التشوّه في الفهم الحداثي للحرية، إقصاء البعد التعبدي من الحياة الإنسانية، أي إبعاد الإنسان عن “حقيقته الساجدة”، واستبدالها بصورة الإنسان “المعتدّ بنفسه”، الذي لا يرى في الكون إلا امتدادا لذاته.

إن تأصيل الفردانية على هذا النحو أدى، في نظر طه، إلى انهيار المعايير الأخلاقية، حيث لم يعد الإنسان يستند إلى “ميزان قيمي” يتجاوز الذات، بل صار يحكم على الأشياء والأفعال بحسب موقعها من منفعته الخاصة. وهذا ما يفسر ما يسميه بـ”انقلاب في القيم”، حيث تتحول “الفضيلة إلى عبء”، و”الخدمة إلى ضعف”، و”العطاء إلى سذاجة”، في حين ترفع الأنانية إلى مقام العقلانية، ويحتفى بالانفصال بوصفه إنجازا تحرريا.

ويقول في سؤال الأخلاق: «لقد أفرغت الحداثة الفعل من قيمته الأخلاقية، حين ربطته حصريًا بالعقل الأداتي، فأضحى الفعل خاضعًا لمعيار الجدوى، لا لمعيار الخير».

وما يزيد من تعقيد المأزق الحداثي هو أن الفردانية لا تنتج فقط تصورات نظرية مختلة، بل تعيد تشكيل بنية الإدراك ذاتها. فالفرداني الحداثي لا يرى العالم كما هو، بل كما يخدم رغباته، وهكذا يتشكل ما يسميه طه بـ”الوعي المقلوب”، أي وعي موجه لا يرى في الأشياء إلا ما يمكن امتلاكه أو استغلاله.

وعليه، يقول: إن الوعي الحداثي وُجّه توجيها نفعيا، حتى غدا لا يرى من الإنسان إلا جسده، ومن الجسد إلا حاجته، ومن الحاجة إلا إشباعها. هذا التوجيه النفعي يُعمي الوعي عن الأبعاد الروحية والعاطفية والمعنوية التي تجعل الإنسان إنساناً، ويجعل منه كائناً اختُزل في جسده ورغباته.

وفي مواجهة هذا المسار الاختزالي، لا يدعو طه عبد الرحمن إلى نكوص رومانسي نحو الماضي، ولا إلى إعادة إنتاج القيم التقليدية في صيغتها الجامدة، بل يقترح مشروعا تجديديا جوهره “بعث روحانية عقلانية”، تعيد وصل العقل بالروح، والفعل بالمعنى، والفرد بالجماعة. وهي روحانية لا تقوم على رفض الحداثة جملة، بل على “تمييز ما فيها من صلاح واستبعاد ما فيها من فساد”، وفقا لما يسميه بـ”التجزئة النقدية”، حيث يفكك المشروع الحداثي من الداخل، ويعاد تشكيله انطلاقا من مقومات حضارية متجذرة.

لهذا، يقول في روح الحداثة: لسنا نرفض الحداثة لكونها حداثة، بل نرفض منها ما يناقض إنسانيتنا، ونأخذ منها ما يحيي هذه الإنسانية.

وفي ختام الذي تقدم، يتبيّن أن الفردانية الحداثية، في عمقها، ليست انحرافا في الفعل، بل انحراف في التصور، لأنها تعيد تعريف الإنسان بعيدا عن جوهره الروحي والأخلاقي، وتحيله إلى كيان مفرغ، محكوم بالمنفعة، معزول عن الغير والمطلق. أما البديل الذي يقترحه طه عبد الرحمن، فهو تصور متجذر في الفلسفة الأخلاقية الإسلامية، يستعيد فيه الإنسان صفته “الأمينة”، ومسؤوليته “الوجودية”، وفاعليته “الروحانية”، فيكون بذلك قادرا على بناء حداثة مغايرة، حداثة ذات وجه أخلاقي وروحي، لا تختزل الإنسان في فرد، بل تراه ذاتا متصلة في شبكة من المعاني والعلاقات.

اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *