إدريس سحنون- المقال المغربي
في قلب صيف عقيم، حيث الشمس تمارس طغيانها بحرارة تشوي الذاكرة، وحيث تنهار الأنفاس تحت وطأة القيظ كأحلام معلقة على صنبور، تتشقق أرصفة خريبكة كما تتشقق شفاه عطشاها…
وتهل “أيامها الثقافية” كعرس نصب فوق قبر.
مدينة فقدت طعم البلل،
تغتسل بالغبار،
وتتعطر بالدخان،
وتتزين بالكلمات المعلبة في أوراق البلاغة المستهلكة.
خريبكة…
التي تخبئ القنينات الفارغة تحت الأسرة،
وتشرب من قناني الانتظار،
تنصب منصاتها كالطعوم،
وتطلق موسيقاها كالمخدر تحت الأعين الجافة.
مدينة تئن تحت أنقاض التهميش، تترنح كشيخ مريض في رقصة الشباب، يحاصرها الغلاء، وتغزوها سيارات المهاجرين كأسراب من الذكريات العائدة بلا رحمة، وتختنق بأبخرة العوادم، ثم… تبتسم للكاميرا.
خريبكة التي لا تجد ماء للوضوء، تقيم سهرات على ضوء الفقر، وتصلي للفرجة، وتنشد البقاء بضجيج منظم يبث من مكبرات الصوت.
المحتجون من أجل قطرة ماء بالعشرات… وجيش المتفرجين يصفق بالآلاف، ألف يد تهتز في الهواء، ولا يد تجرؤ على قرع باب المسؤول عن صنبور الماء.
المدينة تغسل عرقها بالرقص، وتكمم فمها بزغاريد اصطناعية، وتداري عطشها بوردة بلا ماء.
وعلى الهامش – حيث تختبئ الحقيقة –ترقص كائنات رمزية، تتغذى من الجراح، وتربح من النزيف:
تاجر السياسة يمسح جبينه بورقة انتخابية، يبيع الحلم بالتقسيط، ويبتسم كأن الماء مسألة ثانوية، كأن العطش “مزاجي”، وكأن الجماهير لا تحتاج سوى إلى وعد مؤجل…
تاجر الثقافة يحمل حقيبة مليئة بالقصائد المتشققة، يقرأ شعرا عن “الوطنية”، يصفف خطابه بصوت مرخوم كما يصفف شعره ثم يلوح بيده للجمهور مستجديا التصفيق.
ومروض الفنون يرقص على مسرح من لهب، يغني عن الحب والسلام وسط خيام الصمت، ويترك وراءه مدينة مبللة بالأحلام اليابسة.
على خشبة تئن من الحرارة، مسرحيات مبرمجة تحاكي مدنا بعيدة،
وخريبكة، في مقعد فارغ في الصف الخلفي.
وخارج قاعة العرض، يتقاطر الصمت من الصنابير، ويصفق الغبار في الأزقة العطشى.
ثم يسدل الستار على مدينة لا تشرب، بل تحتضر،
لا تحيا، بل “تصفق”.
المدينة التي فقدت طعم البلل، أصبحت تستحم بالدخان وتتوضأ بغبار الخيول، وتكحل عينيها بالبارود… بدل الكحل والماء.
خريبكة لا تحتفل، بل تمثل دور المحتفل.
خريبكة لا تفرح، بل تتقن الرقص على الجراح، تمارس طقس النسيان الجماعي، تضحك بصوت مجروح، وتصفق لأضواء تخفي ظلمة أعمق من كل انقطاع.
هل يروي الرقص العطش؟
هل تطفئ طلقة بارود غصة الحلق؟
وهل يسقى القلب من مائدة ثقافة البهرجة الموسمية والفرجة الفجة وسهرات الضجيج المنمق والتصفيق المعلب؟
في خريبكة…
الجواب يقذف في الهواء:
رقصة… تصفيقة… زغرودة… ثم عطش طويل لا ماء فيه.
اترك تعليقا