نورالدين ثلاج -المقال المغربي
في الجغرافيا السياسية للمغرب العربي، يصعب الحديث عن العلاقات المغربية الجزائرية دون الوقوع في مفارقات لافتة بين الخطاب السياسي المعلن والممارسة الواقعية.
فبينما تُعلن الجزائر على لسان رئيسها عبد المجيد تبون عن رغبتها في تهدئة الأجواء مع الرباط، يتخذ النظام العسكري مسارات ميدانية عدائية تعاكس كل تلك التصريحات.
وفق تصور أمبرطو إيكو، فإن الخطاب لا يُفهم فقط من خلال بنيته اللغوية، بل من خلال تمفصلاته الرمزية والسياقية؛ فهو حقل من العلامات التي تنطوي على دلالات كامنة، أحياناً أكثر من تلك المعلنة، وهو ما يظهر في الحالة الجزائرية، بحيث لا يعمل الخطاب السياسي الرسمي لصالح المصالحة، بل يشتغل كغطاء إيديولوجي يُخفي عداءً مؤسّساً تجاه المغرب.
دعوة صريحة للجوار… وتحذير ضمني
يعيد خطاب العرش لسنة 2025 التأكيد على سياسة اليد الممدودة تجاه الجزائر، في دعوة متكررة لتجاوز منطق العداء وبناء تكتل إقليمي قوي، كما يحصل في تكتلات آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
المغرب، بحسب الخطاب، لا يسعى إلى الهيمنة، بل إلى تكامل تنموي يعود بالنفع على الجميع، خصوصاً وأن المنطقة المغاربية تزخر بواجهات بحرية ومقدرات اقتصادية لا يُستهان بها.
غير أن هذه الدعوة المتكررة تصطدم بخطاب رسمي جزائري يتّسم بالازدواجية والتناقض، ما يعمّق حالة انسداد الحوار ويكشف هشاشة المزاعم الجزائرية بخصوص الرغبة في “تهدئة الأجواء”.
خطاب تبون… بين “الردّ” والتهرّب
في المقابلة التي أجراها الرئيس تبون مع قناة الجزيرة، أعاد التأكيد على أن الجزائر لا تهاجم المغرب، بل تردّ على ما سماه “استفزازات وتهديدات”.
لكنه، في تناقض صريح، لم يقدّم مثالاً واحداً يدعم به ادعاءاته، واكتفى بلغة فضفاضة، تتوسل التأثير الانفعالي بدل العقلاني، وهو ما يسميه إيكو بـ”الخطاب المغلق”، الذي يصنع دلالاته داخلياً دون قابلية للتفاوض أو الفهم المشترك.
بل إن تكرار عبارة “نحن في موقع رد الفعل” ليست سوى آلية تبريرية تُستخدم للتنصل من المسؤولية، وتُحاول تحميل المغرب وزر قطيعةٍ أصرّ النظام الجزائري على هندستها منذ قرار قطع العلاقات في غشت 2021، دون مبررات حقيقية.
الملك محمد السادس… خطاب العقل ومدّ اليد
في مقابل هذا الخطاب المراوغ، تبنّى المغرب بقيادة الملك محمد السادس لغة عقلانية واضحة ومستقرة، تُخاطب الجار الشرقي بلغة الأخوة والواقعية. ففي خطاب 6 نونبر 2021، قال جلالته: “أجدد الدعوة الصادقة لأشقائنا في الجزائر، للعمل سويا، دون شروط، على بناء علاقات ثنائية، أساسها الثقة، والحوار وحسن الجوار.”
ويُعدّ هذا النوع من الخطاب نموذجًا لما يسميه إيكو بالنص المفتوح، الذي لا يُصادر التأويل، بل يدعو إلى الانخراط في معناه عبر مشترَك رمزي، قوامه التفاهم لا الصدام.
حين تسيس الجزائر الرياضة وتكشف نواياها
بعيدًا عن البلاغة الرسمية، تأتي الوقائع الميدانية لتفكك خطاب التهدئة الجزائري، كون الرأي العام والمراقبون سجلوا سلسلة ممارسات عدائية متكررة ضد الفرق والمنتخبات المغربية أثناء تواجدها في الجزائر، سواء تعلق الأمر بمنع فريق نهضة بركان من ارتداء قميص يحمل خريطة المغرب كاملة أثناء منافسات كأس الكنفدرالية؛ أو الاعتداءات التي تطال بعثات رياضية مغربية في مباريات قارية تحتضنها الجزائر؛ في حين يحرص المغرب على استقبال الفرق الجزائرية بحفاوة وبروح رياضية عالية، كما حصل في بطولة كأس العالم للأندية.
هذه المفارقة بين خطاب “الردّ” وسلوك “الاعتداء”، بين “احترام الشعوب” و”منع الرموز”، تكشف بالوضوح ما يُسميه إيكو “تضارب العلامات”: فالنظام يرسل رسائل لفظية تهدّئ، بينما تنطق أفعاله برموز عدائية، في ازدواج دلالي يُربك التأويل ولا يخدم السلم.
موقف المنتظم الدولي: المغرب يكسب بالنفس الطويل
المثير في الأمر، أن الجزائر التي تواصل التشكيك في المبادرة المغربية للحكم الذاتي، تجد نفسها معزولة أمام موجة دعم دولي غير مسبوقة لهذه المبادرة، حيث أيدتها دول وازنة كالولايات المتحدة، فرنسا، إسبانيا، ألمانيا، دول الخليج، بل وحتى بلدان إفريقية ولاتينية.
في المقابل، يتقهقر الخطاب الجزائري إلى عزلة دبلوماسية، كلما حاول فرض روايته الأحادية في المحافل الدولية، كما حدث خلال دورات مجلس الأمن، حيث باتت الأمم المتحدة تعتبر الجزائر طرفًا مباشراً في النزاع، رغم محاولاتها المستمرة للإنكار.
بين الشكل والمضمون: عندما تُصبح الصورة أكثر بلاغة من الكلام
لا يحتاج المراقب كثير عناء ليرى التناقض في الخطاب الرسمي الجزائري، بين صور الابتسامة والدعوة إلى الحوار، وبين ممارسات التجييش والتعبئة الإعلامية ضد المغرب.
وهنا يُصبح المشهد كله، وفق تصور إيكو، نظامًا سيميائيًا متعدّد المستويات: اللفظي، الذي يدّعي التهدئة، وغير اللفظي (السلوك، المنع، التجاهل، الاعتداءات)، الذي يُفصح عن نوايا عدائية. كما يقول إيكو: “الرسائل الأكثر خطورة ليست دائمًا تلك التي تُقال، بل التي تُمارس وتُرى وتُلمس.”1
خاتمة: المغرب يُقنع… والجزائر تُربك
خلاصة القول، إن المغرب، بدبلوماسيته الهادئة وانخراطه الجاد في جهود الأمم المتحدة، ينجح في بناء سردية عقلانية مقنعة دولياً، مدعّمة بأفعال منسجمة مع خطابه. في حين تسقط الجزائر، يوماً بعد آخر، في تناقض سلوكي سافر، وتُحاصر نفسها بخطاب مزدوج، يُظهر عداءً صريحًا، مهما حاول تبون تغليفه بألفاظ دبلوماسية.
فـ”اليد الممدودة” من المغرب، لا تلتقي مع “خطاب مزدوج” من جار لا يريد المصالحة، ولا يملك الشجاعة للاعتراف بمسؤوليته في تأجيج النزاع.
1: (Eco, A Theory of Semiotics, Indiana University Press, 1976, p. 259)
اترك تعليقا