كتاب وآراء

هل العاقر تحسُّ بمخاض الساكنة؟

شارك المقال
شارك المقال

بقلم طارق ركراك

لا ريب أن كل متتبع للشأن المحلي يدرك أن دور الجماعات الترابية في تحقيق التنمية لم يعد محصورًا في التدبير اليومي أو تقديم الخدمات الإدارية للمرتفقين، بل أصبح رهينًا بقدرة هذه الجماعات على تفعيل التسويق الترابي، وجذب الاستثمارات المنتجة، وخلق مشاريع مدرة للدخل تضمن لها استقلالية مالية تدريجية، بعيدًا عن الارتهان الكلي للموارد التقليدية، كالرسم على القيمة المضافة والرسوم المحلية.

لقد كرّس النموذج التنموي الجديد، ومعه دستور 2011، تحوّلًا نوعيًا في أدوار الجماعات الترابية، حيث وسّع من صلاحياتها، وجعل من رئيس المجلس الجماعي فاعلًا استراتيجيًا يتمتع بصلاحيات قانونية وإدارية هامة، تخوّله وضع وتنفيذ السياسات العمومية الترابية في إطار مرجعي واضح، مؤطَّر قانونيًا ومحصَّن ضد التأويل التعسفي، مما يمنحه هامشًا معتبرًا في اتخاذ القرار وتحمّل المسؤولية.

هذا التحول يفرض علينا طرح سؤال جوهري:
هل مَن يتولى تدبير الشأن المحلي قادر على ضبط المقتضيات القانونية والمؤسساتية التي تؤطر عمل الجماعة؟ وهل يتمتع بالكفاءة اللازمة لتفادي الأخطاء الإدارية القاتلة التي قد تُقزّم الطموح الجماعي وتُفرغ الصلاحيات من مضمونها؟

لم يعد الرهان اليوم على تقديم خدمات روتينية، بل على قدرة رئيس الجماعة وفريقه على الابتكار والاجتهاد، والانفتاح على القطاع الخاص ـ رغم محدوديته ـ وإبرام شراكات ذكية واتفاقيات توأمة، بل وحتى التوجه نحو التعاون الدولي اللامركزي لجلب الخبرة والتمويل، بدل الانغلاق على الذات، والارتهان الأبدي لميزانيات الدعم المركزي أو لموارد ضريبية هشّة.

لقد تغيّر انتظـار الساكنة: فهي لم تعد تترقّب فقط صدور قرارات إدارية أو توقيع عقود، بل تنتظر من رئيس جماعتها أن يكون صاحب رؤية استثمارية، قادرا على التقاط الفرص، وتأهيل المجال، وتعبئة العقار، وتوجيه الاستثمار نحو الأولويات الاجتماعية والمجالية.

وهنا، تطرح قضية النخبة نفسها بقوة:

هل نملك في الجماعات الترابية نخبة ذات كفاءة علمية، وتكوين إداري ومالي، وجرأة في اتخاذ القرار؟
أم أننا ما زلنا في مرحلة تسيير يغلب عليها الطابع الانفعالي أو الولاء السياسي بدل الكفاءة؟

ختامًا، لا يمكن لأي خطاب عن التنمية أن يغفل عن الإكراهات البنيوية التي تعيق تحققها: من اعتبارات سياسية (الصراعات الحزبية)، إلى ثقافية (القبلية والولاءات الضيقة)، إلى معرفية (ضعف التأطير القانوني لدى بعض المنتخبين)، مما يجعل مسؤولية فشل أو تعثر التنمية مشتركة بين المنتخب والمواطن، بين من يدبّر ومن يراقب، بين من يمتلك السلطة ومن يدفع الثمن.

ويبقى السؤال معلقًا بنبرة تأمل وسخرية مريرة: هل العاقر تحسّ بمخاض الساكنة التي تتطلع إلى جماعة فاعلة، شفافة، منتِجة، تحترم ذكاء المواطن، وتترجم فعليًا رؤية المغرب الجديد؟

اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *