بقلم ذ.نورالدين ثلاج*
في مشهد يبدو وكأنه مقتطف من “وثائقيات الدولة العميقة”، أصبحنا أمام ظاهرة تستحق جائزة “أفضل مونتاج إداري”، حيث تحوّل بعض المسؤولين في ميادين الأمن والسلطة والقضاء إلى نجوم منصات التواصل الاجتماعي، ببدلاتهم المكوية، ونبراتهم المشحونة، وعباراتهم المدروسة كما لو أن “التضحية” و”خدمة الصالح العام” من اختراعهم الشخصي.
يكفي أن تمر دورية أمنية أو تدخل سلطوي بسيط حتى تُستخرج الهواتف الذكية كما تستخرج الكاميرات في بلاطوهات السينما: “أرجوكم، نحتاج لقليل من الصرامة، قليل من التظاهر بالإنسانية، وكثير من الرنين في العبارات”، والنتيجة؟ فيديو من 50 ثانية يُتداول آلاف المرات مرفقًا بتعليقات من قبيل: “تحية لهذا المسؤول الشريف”… بينما الواقع لا يحتاج كاميرا بل محاسبة.
في هذه التمثيليات القصيرة، لا شيء يُترك للصدفة: لغة الجسد صارمة، الصوت بنبرة ذكورية مسؤولة، والكلمات محسوبة: “نحن هنا لخدمة المواطن، ولن نتوانى عن أداء الواجب”.
والأجمل؟ أن المواطن المسكين، الذي لم يعد يثق حتى في ظلّه، يجد نفسه مشدودًا لمشهد أقرب إلى الإشهار منه إلى الحقيقة.
والأدهى أن بعض هؤلاء المسؤولين أصبحوا يعرفون زوايا التصوير التي تُظهر “الجدية” في ملامحهم، تمامًا كما يعرف الممثل متى يلتفت للكاميرا، ومتى يغمض عينيه ليُقنع المشاهد أنه يُفكّر في مصير الأمة.
ورغم أن الدولة لها قنوات رسمية، ولها ناطقون رسميون ومؤسسات تُفترض أنها تُبلّغ وتشرح وتُحاسِب، إلا أن بعض المسؤولين اختاروا أن يختصروا التواصل في “بوست فايسبوكي” أو “لايف عابر”، بشرط أن تصل الرسالة إلى الرأي العام، والأهم إلى “الرئيس المباشر” الذي ربما يرى في عدد التفاعلات معياراً جديدًا للترقية.
لكن، لنسأل بصوت مرتفع: منذ متى أصبح أداء الواجب “محتوى قابلاً للمشاركة”؟ وهل نحن أمام مسؤول إداري أم مؤثر رقمي؟ ومن أعطى الحق لبعض الصفحات المجهولة في لعب دور وكالة علاقات عامة لموظفي الدولة؟ وهل تحوّلت الدولة إلى “براند” يُسوّق له بعيون دامعة وكلمات “أكشنية”؟
إننا أمام زمن عجيب، حيث المسؤول لا ينام قبل أن يتأكد أن صورته تُتداول، وصوته يُمتدَح، بينما الواقع على الأرض يئن من سوء الخدمات، والبطء، والفساد البيروقراطي، ولكن لا أحد يصوره، لأن لا أحد يكترث لمن لا يمثل.
*كاتب رأي وطالب باحث في التواصل الثقافي والإعلام المرئي
اترك تعليقا