الواجهة

قضية أشرف: عندما تسبق الإدانة القضاء

شارك المقال
شارك المقال

الرباط : سعيد المزابي 

منذ تفجر قضية ما بات يُعرف إعلاميا بـ“ولد الفشوش”، تحوّل النقاش العمومي من متابعة مسار قضائي مرتبط بجريمة مروّعة راح ضحيتها الشاب بدر، رحمه الله، إلى محاكمة اجتماعية وإعلامية مبكرة للمتهم أشرف، سبقت القضاء وأصدرت أحكامًا جاهزة تحت ضغط العاطفة والغضب الرقمي.

انتشار فيديو كاميرات المراقبة فجّر موجة استياء واسعة، غير أن التعامل معه كدليل إدانة نهائي خارج قاعة المحكمة، ودون مناقشة سياقه أو استحضار التناقضات المسجلة في محاضر البحث واختلاف الروايات، يُعد اختزالًا خطيرًا لمسار العدالة، وضربًا لمبدأ راسخ مفاده أن الأصل في الإنسان البراءة.

الأخطر من ذلك، أن النقاش انزلق بسرعة من الفعل الجرمي إلى الخلفية الاجتماعية للمتهم، حيث تحوّلت صفته كـ“ابن رجل أعمال” إلى قرينة إدانة، وكأن الانتماء الطبقي أصبح معيارا للحكم، في تناقض صارخ مع مبدأ المساواة أمام القانون.

كما رافق هذا الملف سيل من السبّ والقذف والتشهير، ونشر الصور والمسّ بالسمعة، في خرق واضح للقانون، ومساس مباشر بحقوق الدفاع وقرينة البراءة، ما يهدد بتحويل العدالة من مؤسسة دستورية إلى محكمة افتراضية تُدار بالعاطفة لا بالقانون.

وفي خضم هذا الضجيج، يبقى القضاء المغربي، بما يتمتع به من استقلالية دستورية، الجهة الوحيدة المخوّل لها النظر في الملف والبت فيه، بعيدًا عن ضغط الشارع والحملات الرقمية التي اختارت الإدانة المسبقة بدل انتظار نتائج التحقيق.

إن حماية حقوق المتهم لا تعني أبدًا التنكّر لحق الضحية، بل هي الضمانة الوحيدة لعدالة متوازنة لا تُنتج مظلومًا جديدًا باسم الانتصار للضحايا. فالقضاء، لا الشارع، هو من يملك سلطة الإدانة أو البراءة.

وإلى أن يصدر الحكم النهائي، يظل احترام قرينة البراءة، وصون القانون، وعدم الضغط على القضاء، هو الامتحان الحقيقي لدولة الحق والقانون.

اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *