المقال المغربي -نورالدين ثلاج
وعد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، بمحاربة التطبيع مع إسرائيل، في حالة فوز “البيجيدي” بانتخابات 2026، واصفاً عملية التطبيع بـ”الفساد كل الفساد”، في رد ضمني على سؤال صحافي حول موقفه من احتمال إلغاء التطبيع في حال توليه رئاسة الحكومة المقبلة.
ورغم أن بنكيران لم يصرح بشكل صريح بموقفه من التطبيع، فإن رده جاء مشحوناً بدلالة سيميائية قوية، تتجاوز الخطاب السياسي المباشر لتلامس أبعاداً رمزية وثقافية، تجعل من التصريح أكثر إيحاءً مما هو إخبار. ففي معرض جوابه عن سؤال حول موقفه من إعادة النظر في اتفاق التطبيع، اكتفى بالقول: “واش فهمتي؟ الفساد كل الفساد.” هذه العبارة المفتوحة، وإن بدت عامة في ظاهرها، تحمل في عمقها شحنة دلالية واضحة تربط بين “الفساد” و”التطبيع”.
ومن منظور سيميائي، يمكن فهم هذا الخطاب ضمن ما يسميه المفكر الفرنسي رولان بارث بـ”الأسطرة” (mythification)، أي تحويل المفاهيم السياسية إلى رموز ثقافية ودلالات إيحائية تعيد تشكيل الوعي العام. فـ”الفساد”، وفق بارث، حين يُستخدم في سياق غير واضح، لا يعود فقط إلى دلالته المباشرة (الرشوة، استغلال النفوذ…)، بل يتحول إلى رمز ثقافي يستبطن مواقف إيديولوجية دون التصريح بها.
وهنا، لا يقول بنكيران إن التطبيع فساد، لكنه يُقحم هذا الأخير في جواب عن التطبيع، ليصبح الإيحاء أقوى من القول المباشر، ويصبح “التطبيع = فساد” معادلة مفهومة ضمنياً لدى الجمهور دون أن تُنطق لفظياً. إنها ما يسميه بارث بـ”لغة لا تقول، ولكن تُفهم”، وهي أداة شائعة في الخطاب السياسي عندما يكون التصريح المباشر مكلفاً أو حساساً، كون “الأسطورة خطاب يُفرغ اللغة من واقعها ليملأها بإيديولوجيا”.
إن توظيف بنكيران لعبارات عامة مثل “محاربة الفساد” في سياق حساس كموضوع التطبيع، يعكس استراتيجية لغوية ذكية، تترك للمتلقي مهمة تأويل المقصود، وتعفي المتكلم من التورط في مواقف صريحة قد تُحسب عليه داخلياً أو دولياً.
وبذلك، يتحول التصريح السياسي من وعد انتخابي عادي إلى خطاب إيحائي مُرمّز، ينطوي على موقف حازم من ملف التطبيع، لكن بلبوس أخلاقي عام، يجعل الرسالة تمرّ بسلاسة، وتجد صداها لدى شريحة واسعة من الرأي العام، دون أن تُستفز السلطة أو تُحرج الحزب أمام شركاء المغرب الدوليين.
في زمن تكثف فيه الخطابات السياسية المشفرة، تظل السيميولوجيا أداة لا غنى عنها لفهم ما يُقال… وما لا يُقال.
اترك تعليقا