نورالدين ثلاج -المقال المغربي
نشرت جريدة لوموند الفرنسية مؤخراً مقالاً بعنوان: “أجواء نهاية فترة محمد السادس”، ركزت فيه على الوضع الصحي للعاهل المغربي كونه سبب ابتعاده عن ممارسة السلطة، إذ وظفت معجم “نهاية” بما يحمله من شحنة سياسية وثقافية في الغرب ( نهاية التاريخ عند فوكوياما، أو نهاية عهد رؤساء فرنسا)، ومحاولة إسقاطها على الحالة المغربية، فتجاوز بذلك العنوان الوظيفة الإبلاغية الإخبارية عن وضع صحي إلى وظيفة التأثير وإدخال القارئ في أفق انتظار محدد، ومرحلة اضطراب سياسي، فتحول العنوان والمقال إلى خطاب يحاول إقحام مؤسسة قائمة ومستقرة في “لحظة احتضار” لم تدعمها معطيات جديدة، بل كرر ما سبق أن روّجه صحفيون معادون للمغرب مثل إغناسيو سمبريرو.
تبين قراءة سيميائية لهذا العنوان أنه ليس مجرد تركيب خبري، بل بنية أسطورية بالمعنى الذي يمنحه رولان بارث في كتابه (أسطوريّات)، بحيث تتحول اللغة إلى أداة لإنتاج خطاب إيديولوجي يتجاوز الواقع المحسوس وتمارس عنفا رمزيا على القارئ ( بيير بورديو)، وتؤطر تأويله للخطاب (القرار الدلالي/أمبرتو إيكو) فتكسف، وفق تصور بارث، عن وظيفة مزدوجة، تتخطى نقل المعلومة، إلى تبني “أسطورة” تمنح للواقعة معنى مضاعفاً، بحيث لا تقرأ عبارة “نهاية فترة” فقط بوصفها إخباراً عن وضع صحي، بل تُقدَّم كإيحاء بمرحلة أفول واضطراب سياسي، فيُستبدل الواقع بخطاب أسطوري يعيد برمجته في ذهن المتلقي، إلا أن هذا الاستعمال لا يستقيم مع الواقع، لأن الملك محمد السادس ظل حاضراً في محطات مفصلية مثل جائحة كورونا وزلزال الحوز وقضية الطفل ريان، آخرها إلقاؤه خطاب العرش الأخير، إضافة إلى استمراره في مباشرة الملفات الاستراتيجية داخلياً وخارجياً.
يلجأ المقال إلى المقارنة والقياس الثقافي بشكل غير موضوعي، لأنه يتجاهل اختلاف النظامين السياسيين والرمزيين، بحيث يشير بارث إلى أن مثل هذا النوع من الخطاب يحوّل الثقافة الخاصة إلى معيار كوني، أي إلى شكل من أشكال “الاستعمار الرمزي للمعنى”، ومن ثمة يتضح أن العنوان يمارس إسقاطاً إيديولوجياً أكثر من كونه ممارسة مهنية.
يُظهر تحليل العنوان أن خطاب الصحيفة الفرنسية ليس بريئا، بل أسطورة سياسية تسعى إلى تحويل واقعة عابرة إلى صورة انهيار ونهاية، الأمر الذي يفتح مجال التأويل على مصراعيه، بجعله أقرب إلى بناء إيديولوجي مصمم سلفا، يتماشى مع مواقف معادية للمملكة المغربية، متجاوزا الخطاب الصحافي المحايد، وهو ما يؤكده بارث قائلا: “الأسطورة ليست كذباً، بل خطاب يجعل من السياسة قدراً ومن التاريخ طبيعة”، وبالتالي فإن القارئ مطالب باستخدام حسه النقدي في التعامل مع مثل هذه العناوين، وعدم الانسياق خلف اللغة المخادعة، والتحلي بالقيم اللازمة تجاه كل خطاب صحافي، مستحضرا في قراءته لمثل هذه العناوين/المقالات أن كل خطاب يخدم مصلحة معينة، بتوظيف علامات لغوية وغير لغوية تصنع منها أسطورة إعلامية تخدم أجندات غير بريئة.
اترك تعليقا