بقلم ذ.حسن حاجي*
أصبحنا اليوم نعيش أزمة أخلاقية حقيقية، فقط بسبب ضغطة زر “لايك”. لم يعد هذا الزر مجرّد أداة بسيطة للتفاعل، بل تحوّل إلى تصريح علني، وإعلان صريح عن موقف ما، ونسخة مصادق عليها للنوايا، وربما حتى طلقة في معركة خفية، أبطالها أشخاص مهووسون بجنون العظمة والتبعية المطلقة، يراقبون تحركاتك كما لو كانوا خبراء استراتيجيين في فك الشفرات والرموز.
عزيزي القارئ، أصبح مجرد إعجابك بصورة أو منشور لشخص ما كفيلًا بإشعال نار الغيرة، ودقّ طبول الحرب، أو إثارة الشك، أو حتى إعلان العداء عند البعض. كأن العلاقات أصبحت هشّة لدرجة أن نقرة بسيطة يمكن أن تُفسَّر كخيانة أو استفزاز، بل كإعلان عن حرب غير معلنة.
لقد صرنا نعيش في فضاء مشحون بالتأويلات، حيث تُراقب الإعجابات وكأنها تحركات جيش، وتُفسَّر النوايا بناءً على من دعمت، ومن تجاهلت، ومن منحت له زر الإعجاب.
إنها لعنة الإيك يا سادة، حين يفقد التواصل عفويته، ويصبح كل تفاعل محسوبًا بدقة تحت ذريعة “التواصل الافتراضي”.
صار الزر أداةً لقياس الولاء، حتى بات الكثيرون يمتنعون عن الضغط عليه خوفًا من لعنة اللايك.
لقد أصبحنا جميعًا ياسادة تحت سلطة هذا الزر اللعين، المتّهم الأول و الرئيسي في نسف الكثير من العلاقات الاجتماعية، وقطع صلات الرحم بين الأصدقاء والأحباب. لدرجة أن الصمت الإلكتروني أصبح أبلغ من الكلام، وأخطر من النقد المباشر.
فـ”عدم التفاعل”، على سبيل المثال، صار رسالة مشفّرة تُقرأ بتأنٍّ وعناية، وتُحلَّل كما تُحلل الوثائق الحربية السرية. من لم يضع لك لايك، فهو حتمًا يتجاهلك عن قصد، وربما يحمل في قلبه ضغينة، أو يعارضك في الرأي، أو ربما يتحالف مع خصومك و مع أعدائك في معارك افتراضية قد لا تعلم حتى أنك طرف فيها.
لقد صار زر “اللايك” معيارًا جديدًا للعلاقات الشخصية، ومقياسًا للوفاء والانتماء. وفي المقابل، لم يعد البعض يتفاعل ببراءة وعفوية، بل أصبح يُفكّر مليًّا قبل كل نقرة، ويحسب كل زر إعجاب، خشية الوقوع في فخ التأويل، أو فتح أبواب جهنم بتهمة “الإعجاب الخطأ” .
عزيزي القارئ لم يعد التعبير عن الرأي أو المشاعر يحتاج إلى كلمات وحديث مباشر مع المعني بالأمر، بل يكفي أن تحرك أصبعك الصغير لتعلن عن نيتك وانتمائك بل وحتى تحزبك، فقد أصبحنا في زمن إنقلبت فيه المفاهيم حتى تحولت نقرة صغيرة إلى تهمة تحتاج منك إلى شرح وتبرير، وبالتالي قد وقعت عليك لعنة زر الايك.
*أستاذ باحث في العلوم الرياضية
اترك تعليقا