حوراء شهيد الجابري-المقال المغربي
تُعدّ “فاطمة بوهراكة” من أبرز الأسماء الأدبية المعاصرة في الساحة الثقافية المغربية والعربية، لما راكمته من إنجازات أدبية وبحثية توّجت بها مسيرةً استثنائية امتدت لعقود. ولدت “بوهراكة” سنة (1974) في مدينة فاس المغربية، و درست في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، حيث بدأت مبكرًا في التفاعل مع الوسط الثقافي المحلي، وأسهمت في تأسيس محترف الشعر المعاصر سنة 1996 بكلية الآداب، وهي عضو في اتحاد كتاب المغرب، ورئيسة سابقة لجمعية دارة الشعر المغربي، ومديرة لمهرجان فاس الدولي للإبداع الشعري لثماني سنوات متتالية.
ورغم أنَّ “فاطمة بوهراكة” شاعرة بالهوى والتكوين، وناقدة بمسؤولية معرفية، فإنَّ حبّها العميق للشعر دفعها إلى اتخاذ مسارٍ غير مألوف؛ مسارٍ يجعل من الشعر موضوعًا للبحث والتوثيق لا مجرد إنتاج. هذا التوجّه لم يكن ترفًا معرفيًا، بل قناعة ذاتية راسخة. إنَّ الحفاظ على ذاكرة الشعر العربي الحديث مسؤولية جمالية وتاريخية وأخلاقية، فلقد آمنت “بوهراكة” أنَّ تخليد الأثر الإبداعي لا يقل أهمية عن خلقه، وربما هو الوجه الآخر للإبداع نفسه.
من هنا، كرّست “بوهراكة” زهاء عقدين من عمرها في خدمة مشروع موسوعي ضخم، توّجته بإصدار الموسوعة الكبرى للشعراء العرب (1956–2006)، التي ضمّت حوالي ألفي شاعر وشاعرة من مختلف البلدان العربية، مرفقة بسير ذاتية ونصوص تمثيلية، وقد وُصفت هذه الموسوعة بأنها عمل فريد من نوعه، يعيد الاعتبار لثقافة التوثيق في العالم العربي، الذي طالما عانى من ضياع الأسماء والنصوص بفعل غياب الجهد التاريخي الشامل.
لم تتوقف جهودها عند هذه الموسوعة، بل أتبعتها بإصدارات أخرى متخصصة، منها موسوعة الشعر السوداني الفصيح (1919–2019)، وموسوعة الشعر العراقي الفصيح (1932–2022)، وموسوعة الشعر المغربي الفصيح (1953–2023)، إضافة إلى مشاريع أخرى توثق للشعر النسائي، والشعر السياسي، وشعر بلدان الخليج، وغير ذلك، وقد تطلّب هذا العمل منها سنوات طويلة من التنقيب والتدقيق والمراسلة وجمع المواد، مما أثّر على تجربتها الشعرية الخاصة، لكنها قبلت بذلك عن وعي، لأنها ترى في هذا “الفقد الشعري” نوعًا من الوفاء للشعر ذاته.
تتميّز شخصية فاطمة “بوهراكة” بالمثابرة والانضباط، وهي سمات قلما تُجمع في شخصية مبدعة، إذ غالبًا ما يُتهم الشاعر بالفوضى والتشتت، لكنها أثبتت العكس، فالشاعر عندها ليس فقط من يكتب القصيدة، بل من يحمل همّ الشعر كجنس أدبي وجمالي ومجتمعي، وقد نجحت بفضل هذا الانضباط في تحويل مشروعها إلى مؤسسة ثقافية متنقلة، لا تعتمد على التمويل الرسمي، بل على الجهد الذاتي والانخراط العاطفي في مشروعها.
إنَّ “فاطمة بوهراكة”، وإنْ غابت بعض نصوصها الشعرية عن التداول بسبب انشغالها بالتوثيق، فإنَّ أثرها في المشهد الأدبي لا يقل عن أثر كبار الشعراء، بل ربما يعلو في بعض جوانبه، لما قدمته من خدمة جليلة للذاكرة الشعرية العربية، وجعلت من التوثيق حرفة نبيلة لا تقل شرفًا عن الإبداع نفسه. إنَّها نموذج نادر للمثقف المُحب، الذي لا يرى الشعر امتيازًا فرديًا، بل إرثًا جمعيًا ينبغي صونه بعين المحبّ وقلب المؤمن.
فاطمة بوهراكة: خطابٌ مضاد في بنية النسق الشعري العربي
في إطار تحليل المشهد الشعري العربي وفق النسق الثقافي، كما رسم ملامحه المفكر “عبد الله الغذامي”، تبرز تجربة “فاطمة بوهراكة” بوصفها خطابًا مضادًا للنسق الرمزي المهيمن، الذي طالما احتكر تمثيل الشعر، تأليفًا وتأريخًا، ضمن سردية ذكورية تستبطن المركزية و”صناعة الطاغية الشعري”، حيث تُرفع أسماء ويُقصى أخرى، ويُحتفى بالشاعر/الرمز بينما تُهمّش تجارب النساء والهوامش الجغرافية واللغوية.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة مشروع فاطمة بوهراكة – بوصفها شاعرة وناقدة مغربية – إلا باعتباره انزياحًا نسقيًا، وجوابًا ثقافيًا على تهميش مزدوج: تهميش المرأة المبدعة، وتهميش التوثيق كفعل معرفي، فلقد غيّرت “بوهراكة” قواعد اللعبة الثقافية حين قررت ألا تكتفي بتجربة شعرية شخصية، بل أنْ تنصرف بكامل وعيها إلى تفكيك النظام الشعري العربي من الداخل عبر التوثيق، فكتبت موسوعتها الكبرى للشعراء العرب (1956–2006) بعد جهد استمر تسع سنوات، ثم أتبعت ذلك بعدة موسوعات إقليمية ووظيفية.
وفق مقاربة “الغذامي”، فإن النسق يُخفي نفسه داخل الجمالي والمقدّس والرمزي، وغالبًا ما يظهر الشعر كحقل نقي وعابر للسلطة، بينما هو في الواقع محكوم بتوزيع غير عادل للاعتراف والتمثيل ، فمشروع “بوهراكة” فضح هذا النسق عبر كشف خرائط التوزيع الشعري وغياب توثيق أسماء وازنة من النساء والأطراف، كما عرّى احتكار المركز (العاصمة، الذكر، الكلاسيكي) لمنصة التأريخ الأدبي.
وإذا كان “الغذامي” قد تحدث عن صناعة الطاغية الثقافي في مجالات الفكر والخطاب النقدي، فإن “بوهراكة”، وبلغة الفعل لا المفهوم، وقفت ضد صناعة الطاغية الشعري، حين رفضت أن تختار لنفسها المجد الشخصي كشاعرة، وذهبت لتؤسس ذاكرة جماعية تقاوم النسيان، وتقاوم المركزية. إنّها لم تكن تكتب لتُحتفى، بل لتحتفي بغيرها، وهذا نفي طوعي لذات الشاعر بوصفها سلطة، وهو من أبلغ الأفعال المضادة للنسق.
“فاطمة بوهراكة”، من هذا المنظور، تفكك النسق الثقافي لا على صعيد الخطاب فحسب، بل على صعيد الفعل الثقافي؛ فهي امرأة دخلت مساحةً لطالما كانت حكرًا على الذكور، ثم مارست داخلها ليس الشعر، بل السلطة المعرفية على الشعر، وهي بهذا تُخرج المرأة من كونها موضوعًا شعريًا إلى كونها ذاتًا مؤرِّخة ومُقيّمة للخطاب.
ومما يدعم هذا المنظور النسقي أنَّ بوهراكة – رغم كونها شاعرة – آثرت أن تفني عُمرها في مشروع توثيقي، تطلّب منها مراسلة آلاف الشعراء، وتنظيم بيانات ضخمة، ومراجعة سير وطبقات وتجارب، وهو جهد لم يلقَ احتفاءً نقديًا موازيًا لحجمه، لأن النسق – كما يُحلله الغذامي – لا يصفّق لمن يُفككه، بل لمن يخدمه.
إنَّ تجربة “بوهراكة” تُظهر كيف يمكن للثقافة أن تنتج مثقفًا نسويًا يقف خارج موقع الطاغية الثقافي، ويؤسس لخطاب مغاير، حيث التوثيق فعل نقدي، والاحتفاء بالآخر مقاومة جمالية، لقد جعلت من غيابها الحضور الحقيقي، ومن الشعر مشروعًا عامًا لا فرديًا، وبهذا فإنَّ ما قد يُنظر إليه على أنَّه عمل أرشيفي محض، هو في جوهره تفكيك لبنية النسق الرمزي الثقافي، وإعادة تشكيل لخرائط التمثيل الأدبي في الوطن العربي.
خاتمة: التوثيق بوصفه نقدًا ثقافيًا
يمكننا أن نقرأ “فاطمة بوهراكة” اليوم كرمز نسوي ثقافي جمع بين الإبداع والتأريخ، وجعل من التوثيق أداة للمقاومة الثقافية، لقد وقفت في مواجهة النسق الشعري العربي الذي طالما تزيّا بالجمال، ليُخفي ممارسات إقصائية، فعرّته بلغة البيانات لا البلاغة، وبخريطة الشعراء لا بخرائط المجاز، وهي بذلك تُبرهن أن المعركة الثقافية لا تُخاض دائمًا من منبر القصيدة، بل قد تُخاض من الهامش، من هامش مكتبة، أو من حاشية موسوعة… وأنَّ هذا أبلغ في كشف النسق من ألف قصيدة.
ولا يقف خطاب “فاطمة بوهراكة” المضاد عند حدود التاريخ والتوثيق، بل يتجلّى أيضًا في ممارساتها الثقافية اليومية، حيث تنحاز للشعر بوصفه قيمة، لا شهرة، وللمبدع بوصفه صوتًا جماليًا لا سلعة رمزية، ومن أبلغ شواهد ذلك: تبرّعها بطباعة كتاب نقدي يحتفي بالشاعر المغربي “أحمد مفدي”، اعترافًا منها بجهده الشعري الفريد، وتثمينا لعطائه الممتد، في وقتٍ يغيب فيه أمثاله عن دوائر الضوء والاحتفاء المؤسسي. إنّها بهذا تؤكد أنَّ مشروعها لا يُنكر الذوات الفردية، بل يحتفي بها خارج شروط “النسق الطاغي”، ويعيد الاعتبار إلى المبدع الحقيقي، المقموع بصمت
اترك تعليقا