المقال المغربي من الرباط
كان يفترض أن يكون اللقاء التواصلي لحزب الأصالة والمعاصرة بإقليم خريبكة مناسبة لاستعراض «الدينامية التنظيمية والتواصلية» التي يعيشها الحزب وطنيا، ومحطة لتكريس الإنصات والقرب وتبادل الآراء مع المنتخبين والمناضلين والفاعلين المحليين. لكن، في أبي الجعد تحديدا، يبدو أن عجلات الجرار لم تكن تسير بالسرعة المطلوبة… بل إنها تعثرت قبل أن تبلغ وجهتها.
فاللقاء تأخر عن موعد انطلاقه بأزيد من ساعتين ونصف، وهو تأخر يصعب أن ينسجم مع خطاب التواصل والقرب واحترام الحاضرين، قبل أن تزيد الغيابات من ثقل المشهد، وفي مقدمتها غياب فوزي لقجع وفاطمة الزهراء المنصوري. غير أن الإشارة الأكثر دلالة جاءت من الداخل، بعدما قاطع منتخبو عدد من الجماعات المحسوبة على حزب الأصالة والمعاصرة اللقاء، احتجاجا، وفق المعطيات المتداولة، على ما يعتبرونه انفرادية في تدبير الشأن التنظيمي والسياسي من طرف البرلماني ورئيس جماعة أبي الجعد خليفة مجيدي، وتغليب منطق القرار الأحادي على المقاربة التشاركية.
وهنا بالضبط تصبح المفارقة أكثر وضوحاً: كيف يمكن تنظيم لقاء عنوانه «التواصل والإنصات»، بينما يختار منتخبون محسوبون على الحزب نفسه مقاطعته احتجاجاً على غياب التشاور؟ إنها، إن صحت هذه المعطيات، فهي رسالة سياسية وتنظيمية تستحق أن تُقرأ بهدوء بعيدا عن لغة البلاغات الجاهزة.
فالمقاربة التشاركية لا تعني جمع المنتخبين في قاعة واحدة والتقاط صورة جماعية، كما أن الإنصات لا يبدأ وينتهي عند موعد اللقاء. المشاركة الحقيقية تقتضي إشراك المعنيين في صناعة القرار، والاستماع إلى ملاحظاتهم قبل اتخاذ القرارات، لا دعوتهم فقط حين تصبح الحاجة إلى الحضور الجماعي ملحّة.
أما في أبي الجعد والدائرة، فإن مقاطعة الساكنة للقاء، رغم توجيه رئيس الجماعة والبرلماني خليفة مجيدي دعوات إلى عدد من الأشخاص، تطرح بدورها أكثر من علامة استفهام حول حجم التعبئة ومدى قدرة الخطاب الحزبي على استعادة الثقة محليا.
فحين تُوجَّه الدعوات ولا يأتي المدعوون، وحين يُنظم لقاء للتواصل فيختار بعض المنتخبين عدم الحضور، وحين يتأخر انطلاق الموعد أكثر من ساعتين ونصف، يصبح من الصعب إقناع المتابع بأن الأمر يتعلق فقط بـ«دينامية تواصلية» عادية. بل إن المشهد يوحي بأن هناك شيئاً ما لا يسير كما ينبغي داخل الجرار.
والمفارقة أن الحزب جاء إلى خريبكة للحديث عن القرب والإنصات، فإذا به يواجه أسئلة حول القرب من منتخبيه، وحول الإنصات إلى قواعده، وحول مدى حضور المقاربة التشاركية في تدبير شؤونه محليا. أما الغائبون عن اللقاء، فربما كانت لديهم رسالتهم الخاصة. وبعض الرسائل السياسية لا تحتاج إلى منصة ولا إلى مكبر صوت؛ يكفي أحياناً كرسي فارغ لكي يقول ما لا تستطيع الخطب الطويلة قوله.
وبطبيعة الحال، لا يمكن اختزال وضع حزب كامل في لقاء واحد، ولا اعتبار كل غياب دليلاً تلقائياً على أزمة تنظيمية. لكن تراكم التأخر والغيابات والمقاطعة، مع ما يثار حول أسلوب تدبير الشأن الحزبي محليا، يجعل من المشروع طرح السؤال حول ما إذا كانت المشكلة في ضعف التواصل فقط، أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى أزمة في طريقة التواصل نفسها.
يحتاج الجرار، مهما كانت قوته، إلى عجلات متناسقة حتى يتحرك في الاتجاه الصحيح. وإذا أرادت القيادة الحزبية أن تجعل من إقليم خريبكة نموذجا للدينامية الجديدة، فإن عليها أولا أن تصغي إلى الأصوات التي لا تصل إلى المنصة، وأن تسأل عن أسباب المقاعد الفارغة، لا أن تكتفي بتصوير المقاعد الممتلئة. فالسرعة قد تكون مطلوبة في السياسة، لكنها حين تسبق التشاور، وتختصر الطريق على الشركاء، وتُهمّش المقاربة التشاركية، قد لا تقود الجرار إلى الأمام… بل قد تجعل عجلاته تدور في المكان نفسه.
وفي أبي الجعد، يبدو أن الدرس الأول من هذا اللقاء هو أن السرعة تقتل… خصوصا عندما تكون سرعة القرار أكبر من سرعة الإنصات.
اترك تعليقا