بقلم د. عدنان السباعي*
المقدمة
يعد العنف الاسري من أبرز التحديات الاجتماعية والقانونية التي تواجه المجتمعات المعاصرة، نظرا لتداعياته العميقة على بنيان الاسرة واستقرارها، وعلى الصحة النفسية والجسدية لأفرادها. ولئن كان العنف الجسدي والجنسي أكثر وضوحا من حيث الاثر والاثبات، فان العنف النفسي يظل من أكثر اشكال العنف انتشارا واقلها حضورا في النقاش القانوني والاجتماعي، نظرا لطبيعته غير المادية وصعوبة اثباته، مما يجعله بمثابة “العنف الصامت” الذي يفتك بالضحايا في صمت، دون ان يجد صداه الكافي داخل المنظومة القضائية او التشريعية.
يعرف العنف النفسي عموما بانه كل سلوك او قول يمارس داخل العلاقة الاسرية ويؤدي الى الاضرار بالحالة النفسية او المعنوية للطرف الاخر، سواء تمثل في السب والشتم، او الاذلال المتكرر، او التهديد، او الحرمان من التعبير والاختيار، او حتى التجاهل والعزل الاجتماعي. ورغم خطورته وتبعاته بعيدة المدى، فان العنف النفسي يظل غالبا غير معترف به كجريمة قائمة بذاتها في العديد من التشريعات، بما في ذلك التشريع المغربي، الذي لا يخصص له نصا جنائيا صريحا، بل يتناوله ضمنيا من خلال بعض المقتضيات العامة.
لقد شكل صدور القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء محطة مهمة في الاعتراف الرسمي بأشكال متعددة من العنف، بما فيها النفسي، حيث نص على حمايات اجرائية ووقائية للنساء ضحايا العنف، الا ان الممارسة القضائية لا تزال تعاني من اشكاليات حقيقية عند التصدي لهذا النوع من الانتهاكات، وعلى راسها صعوبة الاثبات وضعف ادوات التجريم، بالإضافة الى غلبة المقاربة الزجرية دون ايلاء الاهمية الكافية للوقاية والمواكبة النفسية والاجتماعية.
وتزداد اهمية هذا الموضوع في ظل التحولات الاجتماعية والقيمية التي تشهدها الاسرة المغربية، خاصة مع بروز اشكال جديدة من العنف مرتبطة بالتغيرات التكنولوجية وانماط التواصل الرقمي، مثل العنف السيكولوجي الالكتروني، او التحكم العاطفي عن بعد، وهي انماط لا زالت بعيدة عن انظار المشرع، وتطرح تساؤلات مشروعة حول مدى كفاية المنظومة القانونية الحالية لاستيعاب هذه الظواهر.
كما أن المعاناة النفسية الناجمة عن العنف الأسري، خاصة في العلاقات الزوجية، لا تقتصر فقط على الطرف الضحية، بل تمتد آثارها لتطال الأطفال وباقي أفراد الأسرة، مما يهدد بتكريس حلقة عنف مستدامة تنتقل بين الأجيال، وهو ما تؤكده العديد من الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة.
إن تجاهل العنف النفسي أو التقليل من شأنه لا يعني سوى شرعه بطريقة غير مباشرة، وحرمان الضحايا من أبسط حقوقهم في الحماية والكرامة.
وعليه، فإن هذا الموضوع يطرح مجموعة من الإشكاليات الجوهرية، يمكن تلخيصها في السؤال المحوري التالي:
إلى أي حد استطاع التشريع المغربي، من خلال القانون الجنائي والقوانين ذات الصلة، أن يجرم العنف النفسي داخل الأسرة، ويوفر له اليات فعالة للإثبات والحماية؟
ويتفرع عن هذا السؤال عدة تساؤلات فرعية، من قبيل:
ما هو مفهوم العنف النفسي من الناحية القانونية والاجتماعية؟
ما هي اهم مظاهره في الواقع الاسري المغربي؟
ما مدى فعالية النصوص الحالية في تجريم هذا النوع من العنف؟
وما هي العراقيل التي تواجه الضحايا أثناء سعيهم لإثبات الضرر النفسي أمام القضاء؟
وتهدف هذه الدراسة إلى تفكيك الأبعاد القانونية والاجتماعية للعنف النفسي داخل الأسرة، من خلال تحليل النصوص القانونية الوطنية ذات الصلة، واستقراء الممارسة القضائية، مع الاستئناس ببعض المقاربات المقارنة، بغية تقديم مقترحات عملية لتعزيز الحماية القانونية والنفسية للأطراف المتضررة.
وتكمن أهمية هذا الموضوع في كونه يسعى إلى إزاحة الستار عن ظاهرة صامتة ومغيبة في النقاش العمومي، لكنها ذات آثار نفسية مدمرة، كما يعد مدخلا لفهم خلل التوازن داخل مؤسسة الاسرة، ومدى حاجة التشريع المغربي لتطوير الياته التجريمية والحمائية بما يتلاءم مع المعايير الدولية لحقوق الانسان وكرامة الفرد داخل محيطه الاسري.
المبحث الأول: المفهوم القانوني والاجتماعي للعنف النفسي ومظاهره في العلاقات الأسرية
يعد العنف النفسي من أكثر أشكال العنف تعقيدا من حيث التحديد والقياس، نظرا لارتباطه بالمجال اللامادي والذي يصعب رصده او توثيقه بشكل مباشر، وتزداد اهمية فهم هذا النوع من العنف حينما يمارس داخل العلاقة الاسرية، التي يفترض فيها ان تكون مجالا للرعاية والدعم والتوازن العاطفي. الا ان الواقع العملي يكشف عن ممارسة واسعة للعنف النفسي بين أطراف الاسرة، خاصة في العلاقات الزوجية، وغالبا ما يمر هذا النوع من العنف دون مساءلة او تجريم، سواء بسبب طبيعته الخفية او بسبب ضعف الوعي القانوني والاجتماعي به.
وإذا كان مفهوم العنف النفسي يثير اشكاليات تعريفية في الفقه القانوني، فانه في المجال الاجتماعي أكثر تداولا، حيث يدرج ضمن ما يسمى بالعنف الرمزي او المعنوي، والذي يشمل مختلف الافعال او الاقوال التي تهدف الى الاذلال، الحط من الكرامة، التحكم، العزل او الاكراه المعنوي. هذا التعدد في المقاربات والتفسيرات يزيد من صعوبة وضع تعريف قانوني دقيق وموحد له، خاصة في غياب نصوص تشريعية صريحة تجرمه بشكل مستقل.
في السياق المغربي، ما يزال العنف النفسي داخل الاسرة يفتقر الى إطار قانوني صلب يمكن الاحتكام اليه. فعلى الرغم من التنصيص عليه ضمنيا في بعض فصول القانون الجنائي والقانون رقم 103.13، الا ان الغموض التشريعي وضعف اليات الاثبات يجعلان من تجريمه مسالة معقدة. وبالتالي، يصبح من الضروري تناول المفهوم القانوني والاجتماعي لهذا النوع من العنف، وتحليل أبرز مظاهره داخل الاسرة المغربية، كمدخل اساسي لفهم ابعاده القانونية والاجتماعية.
وبناء على ذلك، سنعمد في هذا المبحث الى تسليط الضوء على مفهوم العنف النفسي من زاويتين: قانونية واجتماعية، ثم ننتقل الى دراسة مظاهره الاكثر انتشارا داخل النسيج الاسري، وذلك وفق التقسيم التالي:
المطلب الاول: المقاربة القانونية والاجتماعية لمفهوم العنف النفسي
المطلب الثاني: مظاهر العنف النفسي داخل الاسرة المغربية
المطلب الاول: المقاربة القانونية والاجتماعية لمفهوم العنف النفسي
يعتبر العنف النفسي من أخطر اشكال العنف التي تمارس داخل الفضاء الاسري، وذلك بالنظر الى كونه عنفا غير مرئي لا يترك اثرا ماديا مباشرا، لكنه يمتد في عمقه ليهدم التوازن العاطفي والنفسي للفرد، ويؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة الاسرية. ورغم ان الظاهر من هذا العنف لا يخرج عن إطار الكلمات والسلوكيات “البسيطة” ظاهريا، الا ان اثاره تكون عميقة وبعيدة المدى، حيث تترتب عنه تبعات نفسية واجتماعية وقانونية خطيرة قد تؤدي في حالات كثيرة الى الانهيار النفسي او حتى الى تفكك الروابط الاسرية.
غير أن الاشكالية الكبرى التي يطرحها العنف النفسي تكمن في صعوبة تعريفه بشكل دقيق داخل النصوص القانونية، بسبب تنوع اشكاله وعدم ماديته، مما يجعل من امر تجريمه ومعالجته قانونيا مسالة معقدة تستدعي دراسة مزدوجة، تجمع بين المقاربة القانونية التي تقتضي تحديد الاساس التشريعي لتجريمه، والمقاربة الاجتماعية التي تسعى الى فهم جذوره ودينامياته داخل النسيج الاسري. وفي هذا السياق، سنقسم هذا المطلب الى فقرتين نتناول في الاولى المفهوم القانوني للعنف النفسي، وفي الثانية المقاربة السوسيولوجية والنفسية له.
الفقرة الاولى: المفهوم القانوني للعنف النفسي
لم يكن العنف النفسي محط اهتمام واضح داخل القانون الجنائي المغربي التقليدي، حيث ان المشرع لم يضع تعريفا صريحا له، ولم يخصص له فصلا مستقلا يعالج حالاته بشكل مفصل، بل انه كان يتم التعاطي معه من خلال بعض الجرائم التي قد تتقاطع معه، مثل السب والقذف والتهديد والإكراه. فمثلا، يعاقب الفصل 425 من القانون الجنائي على التهديد بارتكاب جناية أو جنحة ضد الأشخاص، كما يعاقب الفصل 442 وما يليه على جريمة السب والقذف، الا ان هذه الفصول لا تغطي بشكل كاف الحالات المتعددة والمعقدة للعنف النفسي، ولا تتعامل معه كفعل قائم بذاته داخل علاقة أسرية يفترض ان يسودها التضامن والرعاية.
وقد جاء القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، والصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.18.19 بتاريخ 22 فبراير 2018، كخطوة تشريعية متقدمة نسبيا في اتجاه الاعتراف ببعض اشكال العنف غير المادي. ففي المادة الاولى من هذا القانون، تم تعريف العنف ضد النساء بانه “كل فعل يرتكب بسبب التمييز القائم على اساس الجنس، يترتب عنه ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة”، ومن خلال هذا التعريف، تم الاعتراف ضمنيا بالعنف النفسي كصنف من اصناف العنف التي تستدعي الحماية والزجر.
كما نصت المادة 1 من نفس القانون على ان العنف يمكن ان يكون نفسيا، وعددت بعض صوره، من قبيل الاكراه والتهديد والاهانة والسب والشتم والقذف والتحقير والضغط النفسي، مما يؤكد ان المشرع أصبح يعترف بشكل غير مباشر بالعنف النفسي كممارسة معاقب عليها في حالات معينة. ورغم ذلك، فان هذه الحماية تبقى جزئية وغير كافية، نظرا لغياب نصوص تفصيلية تحدد عناصر الركن المادي والمعنوي لهذا العنف، وكذا آليات الاثبات المناسبة له.
وتجدر الاشارة الى ان ضعف الإطار القانوني للعنف النفسي ينعكس على الاجتهاد القضائي، الذي لا يزال مترددا في التعامل مع هذا النوع من القضايا، خاصة امام صعوبة التحقق من مدى توافر الضرر النفسي، في غياب ادلة مادية ملموسة، مما يجعل نسبة الاحكام القضائية التي تقضي بإدانة المعتدين بالعنف النفسي داخل الاسرة ضعيفة جدا، ان لم تكن منعدمة في اغلب الحالات.
لذلك، يبقى من الضروري ادراج تعريف دقيق للعنف النفسي داخل القانون الجنائي، واعتماد مقاربة قانونية واضحة تميّز بين انواعه واشكاله، وتحدد المعايير التي تسمح للقضاء بإنزال العقوبة بناء على شكايات ضحايا هذا العنف، خصوصا النساء والاطفال، مع مراعاة خصوصية الفضاء الاسري والتوازنات التي تحكم العلاقات داخله.
الفقرة الثانية: المقاربة الاجتماعية والنفسية لمفهوم العنف النفسي
من منظور سوسيولوجي ونفسي، يعتبر العنف النفسي أكثر الاشكال انتشارا في العلاقات الاسرية، والاكثر تأثيرا على الصحة النفسية والعاطفية للضحايا، رغم انه لا يترك علامات جسدية ظاهرة. ويتمثل هذا العنف في مجمل الافعال والسلوكيات او حتى الاقوال التي تهدف الى اذلال الطرف الاخر، او تهميشه، او النيل من كرامته، او فرض السيطرة عليه عبر الترهيب، او العزل، او الضغط المتواصل، او الحرمان العاطفي واللفظي. ويشمل ايضا التقليل من الشأن، والتحكم المفرط، والسخرية المستمرة، والتجاهل، والتقلب المزاجي العنيف، وغيرها من الاساليب التي تمارس بشكل ممنهج وطويل الامد.
وتشير الدراسات الاجتماعية الى ان هذا النوع من العنف غالبا ما يكون غير معترف به اجتماعيا، بل يتم التساهل معه وتبريره على اساس العادات والتقاليد او السلطة الابوية او التراتبية الاسرية، مما يساهم في استمراريته، ويجعل من الضحايا في حالة خضوع مستمر، دون القدرة على المواجهة او طلب النجدة. كما ان غياب الوعي المجتمعي بخطورة العنف النفسي، وكذا ضعف الاليات المؤسساتية للدعم النفسي، يجعل من التصدي له امرا صعبا، ويحول دون التعافي السليم للضحايا.
وتؤكد الابحاث النفسية ان العنف النفسي يترك اثارا عميقة على شخصية الفرد، تتراوح بين اضطرابات القلق، والاكتئاب، وفقدان الثقة بالنفس، واضطرابات النوم، واضطرابات في العلاقات الاجتماعية، وقد يصل الامر في بعض الحالات الى التفكير في الانتحار، خاصة عندما يكون العنف النفسي ممنهجا ويستمر لفترة طويلة دون تدخل خارجي.
ومن هنا، تبرز أهمية المقاربة التشاركية التي تجمع بين الجوانب القانونية والاجتماعية والنفسية في التعامل مع ظاهرة العنف النفسي، خصوصا داخل الأسرة، باعتباره ليس فقط مساسا بكرامة الفرد، بل تهديدا مباشرا لاستقرار المجتمع بكامله، ما دام البناء المجتمعي ينطلق من الخلية الاسرية. لذا، فان التصدي لهذا العنف يقتضي جهودا متكاملة على مستوى التشريع، والممارسة القضائية، والتحسيس المجتمعي، والدعم النفسي، بما يضمن حماية فعلية للأشخاص، ويؤسس لثقافة اسرية قائمة على الاحترام المتبادل والتوازن العاطفي.
المطلب الثاني: مظاهر العنف النفسي داخل الاسرة المغربية
يعتبر العنف النفسي داخل الاسرة من الظواهر المعقدة التي يصعب حصرها في مظاهر نمطية او محددة سلفا، وذلك بالنظر الى تعدد اشكاله واختلاف تمظهراته حسب السياق الثقافي والاجتماعي والاقتصادي للأسرة، ويزداد الامر تعقيدا حين نضع في الاعتبار ان هذا العنف غالبا ما يتم ارتكابه في إطار علاقات قرابة حميمية، كالزوجين او الوالدين والابناء، مما يضفي عليه طابعا خاصا يجعله مستترا، وصعب التبليغ عنه او حتى التعرف عليه من قبل الضحية نفسها. وفي السياق المغربي، تؤكد الدراسات الميدانية وتقارير المؤسسات الرسمية والجمعيات المدنية ان مظاهر العنف النفسي داخل الاسرة منتشرة بشكل واسع، وتتخذ اشكالا متنوعة ترتبط في كثير من الاحيان ببنية السلطة داخل الاسرة، وبالأدوار التقليدية التي تفرضها الثقافة السائدة.
وفي هذا الإطار، يمكن التمييز بين عدة مظاهر اساسية للعنف النفسي داخل الاسرة، نعرض لها فيما يلي من خلال فقرتين، الاولى تتعلق بالعنف النفسي الموجه من الزوج الى الزوجة، والثانية تتعلق بمظاهر العنف النفسي الممارس ضد الاطفال او من قبلهم.
الفقرة الاولى: العنف النفسي الموجه من الزوج الى الزوجة
تشير العديد من التقارير، من بينها تقرير المندوبية السامية للتخطيط حول العنف ضد النساء لسنة 2019، الى ان العنف النفسي هو الاكثر انتشارا بين مختلف اشكال العنف التي تتعرض لها النساء في الوسط الاسري، خاصة من طرف الازواج. وتتمثل مظاهره في مجموعة من السلوكيات التي تهدف الى اضعاف المرأة معنويا، وكسر ثقتها بنفسها، واضعاف قدرتها على اتخاذ القرار، مما يجعلها تعيش في حالة تبعية نفسية واجتماعية تامة.
ومن بين أشهر مظاهر هذا العنف، نجد الإهانة المتكررة، والتقليل من الشأن، والاستهزاء، والسخرية من المظهر أو القدرات أو الافكار، والتهديد بالطلاق أو الطرد من بيت الزوجية، أو التهديد بأخذ الاطفال، او اتهامها بالجنون او عدم الكفاءة، وفرض العزلة الاجتماعية عليها من خلال منعها من زيارة اهلها او صديقاتها. كما تشمل هذه المظاهر فرض السلطة الذكورية بشكل تعسفي، وممارسة التحقير اللفظي والرمزي، ومصادرة حرية الرأي، والتحكم في الملبس أو طريقة التصرف او حتى التعبير عن الذات.
ويؤدي هذا النوع من العنف الى نتائج نفسية خطيرة، حيث تشعر المرأة مع الوقت بعدم الامان داخل العلاقة الزوجية، وتفقد الشعور بالثقة، وتدخل في دوامة من الاضطرابات النفسية التي قد تتطور الى اكتئاب مزمن، او اضطرابات في السلوك او حتى الرغبة في الانفصال، رغم العوائق الاجتماعية والاقتصادية التي قد تحول دون ذلك. وتجدر الاشارة هنا الى ان هذا العنف غالبا ما يتم تحت غطاء “العادات” او “الرجولة”، مما يصعب من مهمة التبليغ او الاعتراف به، حتى من قبل الضحية نفسها.
وفي أغلب الحالات، لا يتم اعتبار هذا النوع من الممارسات جريمة في حد ذاته، ما لم يرافقه عنف جسدي او تهديد واضح ومباشر، وهو ما يشكل ثغرة قانونية كبيرة، تسهم في استمرار الظاهرة واستفحالها، وتحرم الضحايا من وسائل قانونية فعالة للحماية والانصاف.
الفقرة الثانية: مظاهر العنف النفسي ضد الاطفال وداخل العلاقات الاسرية الاخرى
لا يقتصر العنف النفسي داخل الاسرة على العلاقة الزوجية، بل يتعداها ليشمل علاقات اخرى، لا سيما العلاقة بين الاباء والابناء، وهي علاقة يفترض فيها ان تكون قائمة على الرعاية والاحتضان، غير انها قد تتحول الى مصدر دائم للأذى النفسي، نتيجة ممارسات تنطوي على تحقير الطفل، او تهديده الدائم، او مقارنته بأقرانه، او توبيخه امام الاخرين، او تحميله فوق طاقته، او حرمانه من الحنان والعاطفة الضروريين لنموه السليم.
وتتمثل مظاهر العنف النفسي ضد الاطفال ايضا في غياب التواصل الايجابي داخل الاسرة، وفي فرض انماط تربوية قائمة على التخويف والتحقير بدل الدعم والتوجيه، مما يزرع في نفسية الطفل الشعور بالدونية، ويحد من نموه المعرفي والعاطفي، وقد يسبب له اضطرابات في السلوك او صعوبات في الاندماج المدرسي والاجتماعي. كما يؤدي العنف النفسي الى اعادة انتاج نفس النمط من العلاقات العنيفة، اذ تشير الدراسات الى ان الاطفال الذين يتعرضون للعنف النفسي داخل الاسرة، قد يتحولون لاحقا الى اشخاص عنيفين بدورهم، او فاقدين للثقة في ذواتهم وفي العلاقات الاجتماعية.
ولا يقف الامر عند هذا الحد، اذ ان بعض اشكال العنف النفسي قد تصدر عن الابناء تجاه الاباء، خاصة في مرحلة المراهقة او بعد البلوغ، وقد تتخذ شكل الاهمال، او التجاهل، أو السب، أو رفض التواصل، أو الضغط المعنوي للحصول على المال أو على قرارات معينة، مما يجعل العلاقة الاسرية تتسم بالتوتر المستمر، وفقدان التوازن بين الادوار.
هذه الظواهر لا تحظى بالاهتمام الكافي في التشريع المغربي، حيث لا توجد نصوص واضحة تجرم العنف النفسي ضد الاطفال، باستثناء بعض الفصول العامة من القانون الجنائي، كالفصل 407 الذي يجرم الاعتداءات المؤدية الى العجز او الوفاة، دون ان ينص صراحة على الاذى النفسي. كما ان القانون 103.13 يركز على العنف ضد النساء، ولا يتناول العنف الممارس على باقي افراد الاسرة بنفس الحدة او التفصيل.
من هنا، تبرز الحاجة الى توسيع إطار الحماية القانونية ليشمل جميع مظاهر العنف النفسي داخل الاسرة، مع تبني سياسة عمومية شاملة، تراعي خصوصيات الفضاء الاسري المغربي، وتعزز من آليات الوقاية والتبليغ والدعم النفسي، الى جانب الزجر والعقاب، حتى يتم التصدي الفعال لهذا العنف “الصامت” الذي يهدد كيان الاسرة من الداخل، ويضعف اسس التماسك المجتمعي ككل.
المبحث الثاني: الإطار القانوني لحماية ضحايا العنف النفسي داخل الاسرة
رغم ان العنف النفسي يشكل تهديدا حقيقيا لكيان الاسرة واستقرارها، وتترتب عنه انعكاسات خطيرة على التوازن النفسي والمعنوي للأفراد المتضررين، الا ان حضوره داخل المنظومة القانونية لا يزال محتشما ومحدودا، سواء على مستوى التشريع الموضوعي او على صعيد الممارسة القضائية. فاذا كان المشرع المغربي قد خطى خطوات مهمة نحو تجريم بعض اشكال العنف الاسري، خاصة من خلال القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الا ان الطابع المادي لمعظم الجرائم التقليدية، وكذا صعوبة اثبات الضرر النفسي، جعلا من العنف المعنوي موضوعا هامشيا داخل المنظومة الجنائية، لا يحظى بالحماية القانونية الكافية والمباشرة.
ففي ظل غياب تعريف دقيق وواضح للعنف النفسي في القانون المغربي، تبقى الحماية القانونية لضحاياه رهينة بتقدير القاضي، وبإمكانية اثبات الضرر من خلال وسائل غير مادية، وهو ما يشكل اشكالية كبرى على مستوى انفاذ القانون وتحقيق العدالة. هذا الوضع يطرح تساؤلات حول مدى ملاءمة المنظومة القانونية الحالية مع واقع الظاهرة، ومدى قدرتها على مواكبة تطورها وتمظهراتها المعاصرة، خاصة في ظل ازدياد الوعي بحقوق الانسان وتنامي المطالب بتعزيز الحماية القانونية للأفراد في محيطهم الاسري.
وعليه، فإن هذا المبحث يسعى الى تحليل وتفكيك الإطار القانوني الذي يؤطر العنف النفسي داخل الاسرة، من خلال محورين رئيسيين:
المطلب الاول: الحماية الموضوعية لضحايا العنف النفسي في التشريع المغربي
المطلب الثاني: الحماية الاجرائية والقضائية لضحايا العنف النفسي الاسري
المطلب الأول: الحماية الموضوعية لضحايا العنف النفسي في التشريع المغربي
يعد التأصيل القانوني لأي حماية جنائية رهينا بوجود نصوص تشريعية واضحة، تؤسس لمفاهيم الجريمة وتضبط أركانها وتحدد نطاق تطبيقها، وفيما يتعلق بالعنف النفسي داخل الأسرة، فإن إرساء حماية قانونية فعالة للضحايا يتطلب من المشرع التدخل بنصوص دقيقة تجرم هذا النوع من الأذى الذي غالبا ما يمارس في الخفاء، دون أن يترك آثارا جسدية ملموسة، لكنه قد يتسبب في أضرار نفسية عميقة قد تفوق من حيث الخطورة الآثار الجسدية المباشرة. ولهذا، فإن الوقوف على مدى نجاعة الإطار الموضوعي الذي يوفره القانون الجنائي المغربي، وكذا القوانين ذات الصلة، يكتسي أهمية خاصة من أجل تقييم مدى توفر حماية كافية للضحايا، ومعرفة نقاط الضعف التي تعيق فعالية التدخل التشريعي في هذا المجال.
الفقرة الأولى: محدودية التجريم في القانون الجنائي للعنف النفسي داخل الأسرة
يلاحظ أن القانون الجنائي المغربي، رغم شموله لعدد من النصوص التي تعاقب على المس بالسلامة الجسدية والمعنوية للأشخاص، فإنه لم يخص العنف النفسي داخل الأسرة بتجريم صريح ومباشر. إذ يتم التعاطي مع هذا النوع من العنف من خلال فصول متفرقة، أبرزها الفصول من 442 إلى 447 التي تجرم السب والقذف والتهديد، وهي فصول تنظم في الغالب سلوكيات تتعلق بالعلنية، أو تشترط أن يكون الفعل قد ارتكب في محيط عام أو بحضور شهود. غير أن طبيعة العنف النفسي الأسري تميّزه بكونه يحدث في الخفاء، بين جدران البيت، وفي إطار علاقة قرابة أو زواج، مما يجعله يستعصي على الضبط والإثبات وفق الشروط التقليدية المنصوص عليها في القانون الجنائي. كما أن هذه النصوص لا تراعي الخصوصية النفسية والمعنوية للعلاقة الزوجية أو علاقة الأبناء بالآباء، ولا تأخذ بعين الاعتبار الآثار النفسية المستدامة التي قد تخلفها بعض السلوكيات كالإذلال المتكرر، أو الاحتقار اللفظي، أو العزل الاجتماعي المفروض من طرف أحد الزوجين على الآخر، وهي كلها مظاهر لا تجد لها انعكاسا صريحا في مقتضيات التجريم الحالية. وبالتالي، يظل ضحايا هذا النوع من العنف في وضع قانوني هش، يفتقر إلى إطار حمائي ناجع، مما يفتح الباب أمام إفلات المعتدي من العقاب، ويُسهم في استمرار دوامة العنف داخل الأسرة.
الفقرة الثانية: مساهمة القانون رقم 103.13 في إقرار حماية جزئية للعنف النفسي
مع صدور القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، حصل تحول جزئي في اتجاه الاعتراف الرسمي ببعض أشكال العنف غير المادي، حيث نصت المادة الثانية منه صراحة على أن العنف النفسي يشمل “كل اعتداء لفظي أو إكراه أو تهديد أو حرمان يترتب عنه ضرر نفسي”. ويعد هذا التنصيص مكسبا رمزيا مهما من حيث تأكيد المشرع على خطورة العنف النفسي وضرورة مواجهته. غير أن هذا التعريف، وإن كان ضروريا، يفتقر إلى ترجمة جنائية واضحة، إذ إن القانون لم يرفق التعريف بنصوص عقابية خاصة تجرم هذه الأفعال على نحو مستقل، بل أحال في غالب الأحيان على مقتضيات القانون الجنائي العام، وهو ما يجعله عاجزا عن خلق أثر قانوني فعال على مستوى الوقاية والزجر.
كما أن مقتضيات هذا القانون ظلت محصورة في فئة النساء، وهو ما يطرح معه إشكال التمييز بين الضحايا، خاصة وأن العنف النفسي قد يطال الأطفال أو المسنين أو حتى الرجال داخل الأسرة. ومن جهة أخرى، فإن الإجراءات المسطرية التي نص عليها القانون، من قبيل إمكانية إصدار أوامر الحماية أو اللجوء إلى مراكز الإيواء، رغم أهميتها، فإنها تظل غير مفعلة في عدد من المحاكم، كما تعاني من نقص في التنزيل العملي بسبب ضعف التنسيق المؤسساتي وقلة الموارد البشرية المؤهلة في مجال المواكبة النفسية والاجتماعية. وفي ظل هذه النقائص، فإن الحماية الموضوعية التي يوفرها التشريع المغربي لضحايا العنف النفسي تبقى جزئية ومحدودة، ما يستدعي تدخلا تشريعيا شاملا يؤسس لاعتراف قانوني صريح بالعنف النفسي كجريمة قائمة بذاتها، ويضمن حق الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف وفق معايير متقدمة تتلاءم مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان.
المطلب الثاني: الحماية الاجرائية لضحايا العنف النفسي داخل الاسرة
إذا كان التجريم القانوني للعنف النفسي داخل الأسرة يعد خطوة ضرورية في بناء منظومة الحماية الجنائية، فإن الحماية الإجرائية تكتسي أهمية بالغة باعتبارها الضمان العملي للنفاذ إلى العدالة وتحقيق الإنصاف للضحايا، خاصة وأن الأمر يتعلق بنوع من العنف يصعب إثباته ويمارس غالبا في محيط مغلق.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى تمكين الضحايا من آليات مسطرية فعالة ومرنة، تأخذ بعين الاعتبار طبيعة العنف النفسي، وخصوصية العلاقة الأسرية، والوضعية النفسية والاجتماعية للضحايا، لا سيما النساء والأطفال.
وقد سعى المشرع المغربي من خلال القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، وكذا من خلال مقتضيات قانون المسطرة الجنائية، إلى تقديم بعض الآليات الحمائية والاجراءات الوقائية، مثل أوامر الحماية وتخصيص خلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف، غير أن تفعيل هذه المقتضيات ما يزال يطرح إشكالات حقيقية تتعلق بفعالية الإجراءات، وبصعوبات الإثبات، وبغياب الانسجام بين مختلف الفاعلين المتدخلين في مسار الحماية.
وفي هذا الإطار، سنعمد إلى دراسة الإشكالات المرتبطة بإثبات العنف النفسي، ثم ننتقل إلى تحليل الآليات الإجرائية التي ينص عليها القانون المغربي للحماية من هذا النوع من العنف.
الفقرة الأولى: صعوبات الاثبات في حالات العنف النفسي الأسري
يعتبر الاثبات أحد أكبر التحديات التي تواجه الضحية في قضايا العنف النفسي داخل الاسرة، نظرا للطابع اللامادي لهذا النوع من العنف، حيث يغيب الدليل المادي المباشر، وتستعصي معاينة الضرر من قبل السلطات القضائية او الامنية.
فبينما يمكن إثبات العنف الجسدي من خلال الشهادات الطبية والصور والفيديوهات أو الشهود، فإن العنف النفسي غالبا ما يمارس بأساليب خفية وغير معلنة، مثل التحقير، السب، العزل، المنع من التواصل، التهديد المتكرر، أو المراقبة المفرطة، وكلها ممارسات يصعب توثيقها ما لم تكن مصحوبة باعتراف صريح أو دليل تقني كرسائل مكتوبة أو تسجيلات صوتية أو مرئية.
غير أن استخدام هذه الوسائل التقنية في الإثبات يطرح بدوره إشكالات قانونية، إذ تنص المادة 24 من الدستور المغربي على احترام الحياة الخاصة، وتنص المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية على أن إجراء التنصت أو التسجيل لا يجوز إلا بأمر قضائي وتحت شروط دقيقة. وبالتالي، فإن أي تسجيل أو محادثة يتم الحصول عليها دون ترخيص قضائي يمكن أن يرفض قضائيا بداعي عدم المشروعية، مما يزيد من تعقيد عملية الاثبات في مثل هذه القضايا.
إضافة إلى ذلك، فإن الخبرة النفسية التي يمكن أن تعتمد كوسيلة لإثبات أثر العنف على الضحية تبقى محدودة من حيث الانتشار والفعالية، إذ أن عدد الأطباء النفسانيين المؤهلين لتقديم تقارير قضائية ما يزال ضئيلا، كما أن المحاكم لا تلجأ اليها بكثافة، بل تفضل الوسائل التقليدية في التقييم، الامر الذي يؤدي الى غياب تقييم علمي دقيق للضرر النفسي.
وقد أكدت العديد من الدراسات أن النساء ضحايا العنف النفسي غالبا ما يواجهن إشكالات إضافية في مرحلة الإثبات، بسبب ضغوط اجتماعية تدفعهن إلى الصمت، والخوف من فقدان حضانة الأطفال، أو القطيعة العائلية، ناهيك عن الشكوك التي يواجهها البعض من طرف الضابطة القضائية أو النيابة العامة عند تقديم الشكايات، مما يخلق انطباعا بعدم جدية هذا النوع من العنف في المجال القضائي.
الفقرة الثانية: الاليات الاجرائية المنصوص عليها لحماية ضحايا العنف النفسي
نص القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء على جملة من التدابير الإجرائية الهادفة إلى توفير حماية مؤقتة وعاجلة للضحايا، وفي مقدمتها “أمر الحماية”، الذي يصدره رئيس المحكمة الابتدائية في أجل لا يتجاوز ثمانية وأربعين ساعة من تاريخ تقديم الطلب، ويشمل تدابير وقائية كمنع المعتدي من الاقتراب من الضحية أو التواصل معها، ومنعه من التصرف في الأموال المشتركة أو من مغادرة بيت الزوجية في بعض الحالات.
ورغم أهمية هذا الإجراء، إلا أن تطبيقه في الواقع يواجه عدة معيقات، من بينها جهل الضحايا بهذا الحق، وتعقيد المساطر أمام القضاء، وعدم كفاية المساعدة القانونية المجانية، ما يجعل عددا من الضحايا يتنازلن عن طلب الحماية أو يتراجعن عن متابعة المسطرة. كما أن ان الآليات المؤسساتية مثل خلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف، المتواجدة في المحاكم والشرطة والمستشفيات، لا تؤدي دوما دورها كاملا، بسبب ضعف التنسيق، وقلة الموارد البشرية المتخصصة، وغياب تكوين نفسي واجتماعي لدى بعض المتدخلين.
ومن جهة أخرى، فان الحماية الاجرائية تبقى منقوصة في ظل غياب مواكبة نفسية مستمرة، إذ لا يكفي منع المعتدي أو إبعاده عن الضحية، بل يجب تأمين متابعة نفسية متخصصة للضحية قصد إعادة التوازن النفسي وتجنب آثار الصدمة، وهي خدمات لا توفرها المنظومة الحالية إلا بشكل محدود ومشتت. وفي كثير من الحالات، لا يتم استحضار الضرر النفسي في مسار الدعوى الجنائية، بل يُختزل الملف في بعده الإجرائي، دون مراعاة التأثيرات المعنوية العميقة التي خلفها العنف.
كما أن القانون لا ينص بشكل صريح على إحداث مسطرة خاصة للعنف النفسي كما هو الشأن مثلا في العنف ضد الأطفال، بل يُدرج ضمنيا في إطار العنف الأسري، ما يضعف من خصوصيته القانونية، ويجعل المعالجة القضائية لا تختلف كثيرا عن باقي القضايا ذات الطابع الزجري العام. من هنا تبرز ضرورة تعديل القانون الجنائي والمسطرة الجنائية لتضمين مقتضيات أكثر تفصيلا ودقة بشأن العنف النفسي، سواء في الإثبات، أو في المساطر الوقائية، أو في التدابير الموازية كالمواكبة النفسية والاجتماعية والوساطة الأسرية.
خاتمة
يتبين من خلال هذا الموضوع أن العنف النفسي داخل الأسرة يشكل إشكالا بنيويا ومعقدا لا يمكن التعامل معه فقط من الزاوية الزجرية أو القانونية الضيقة، بل يتطلب مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار السياقات الاجتماعية والثقافية والنفسية التي تفرزه وتعيد انتاجه. كما اظهر التحليل ان العنف النفسي ليس فقط سلوكا عنيفا غير مرئي أو غير ملموس، بل هو نمط من العلاقات المختلة التي تكرس الهيمنة والسيطرة والاإذلال داخل الفضاء الأسري، مما يؤثر سلبا على الصحة النفسية والمعنوية للضحايا، وعلى استقرار الأسرة بشكل عام.
ومن جهة اخرى، ورغم الانخراط التشريعي النسبي للمشرع المغربي في مواجهة اشكال العنف ضد النساء، من خلال القانون رقم 103.13، الا ان هذا الانخراط يظل جزئيا وانتقائيا، خاصة فيما يتعلق بالعنف النفسي، حيث يفتقر النص القانوني إلى تعريف دقيق وواضح لهذا النوع من العنف، كما تغيب عنه الآليات الإجرائية والموضوعية التي تضمن إثباته وتقدير ضرره بشكل فعال. وتظل أغلب المقتضيات القانونية ذات طابع عام، مما يفتح الباب أمام تأويلات متباينة في الممارسة القضائية، ويجعل الحماية القانونية غير مضمونة بالشكل المطلوب.
كما أن ضعف الوعي المجتمعي بخطورة العنف النفسي، واستمرار بعض التمثلات الثقافية التقليدية التي تبرر السيطرة والاهانة والعزل العاطفي داخل العلاقات الأسرية، يزيد من تعقيد الإشكال ويؤدي إلى استمرار الضحايا في المعاناة بصمت، دون اللجوء إلى العدالة، أو حتى دون الوعي بأن ما يتعرضون له هو عنف حقيقي يستدعي التجريم والمساءلة. وهذا ما يؤكد ضرورة الاشتغال على الجانب التوعوي والتربوي إلى جانب التأهيل القانوني.
وتعزيز الحماية القانونية ضد العنف النفسي داخل الاسرة يتطلب جهودا منسقة ومتكاملة، تشمل اصلاح المنظومة القانونية، وتكوين الفاعلين في العدالة، ودعم الضحايا، وتغيير العقليات، وتكريس ثقافة حقوق الإنسان داخل العلاقات الأسرية. ومن هذا المنطلق، نقترح مجموعة من التوصيات التالية:
ضرورة ادراج تعريف دقيق ومفصل للعنف النفسي داخل مدونة القانون الجنائي، باعتباره فعلا جرميا قائما بذاته، وليس فقط من خلال مقتضيات عامة او تلميحات ضمنية.
تعديل بعض فصول القانون رقم 103.13 من أجل تدقيق أكثر للعنف النفسي وتوسيع مجالات الحماية لتشمل كافة ضحايا هذا النوع من العنف وليس فقط النساء، مع مراعاة السياق الاسري المتعدد.
تمكين الضحايا من وسائل إثبات حديثة ومرنة، مثل اعتماد التقارير النفسية والاجتماعية كوسيلة إثبات قانونية، وتشجيع شهادات الدعم النفسي المهني.
تعزيز التكوين المستمر للقضاة ورجال الشرطة والدرك الاجتماعيين ومساعدي القضاء حول إشكال العنف النفسي وكيفية التعامل مع ضحاياه، من أجل ضمان حساسية قضائية واجتماعية اثناء البت في هذه القضايا.
إحداث خلايا خاصة بالعنف النفسي داخل المحاكم والمراكز الاجتماعية، تضم خبراء في علم النفس والقانون، من اجل مواكبة الضحايا وتقديم الدعم اللازم.
إدماج برامج توعوية وتربوية في المناهج الدراسية وفي وسائل الاعلام العمومية والخاصة، لنشر ثقافة المساواة والاحترام والتواصل الايجابي داخل الاسرة.
تشجيع البحث العلمي في مجال العنف النفسي، خاصة الدراسات الميدانية التي ترصد انتشاره وتحديد خصائصه وتأثيراته على مختلف الفئات داخل المجتمع المغربي.
التنسيق بين القطاعات الحكومية والمجتمع المدني من اجل تنفيذ سياسة عمومية مندمجة وشاملة للوقاية من العنف النفسي داخل الاسرة ومناهضته.
*باحث في الشؤون القانونية والعلوم الجنائية
خريج ماستر العلوم الجنائية والدراسات الأمنية بطنجة
إطار عالي في وزارة الصحة والحماية الاجتماعية
اترك تعليقا