نورالدين ثلاج -المقال المغربي
في ضوء البيان الصادر عن جبهة البوليساريو يوم 20 أكتوبر 2025، يمكن قراءة النص من زاوية سيميائية مستلهمة من مقاربة يوري لوتمان، الذي يرى أن كل خطاب سياسي هو نظام رمزي يتفاعل داخل فضاء دلالي متحوّل.
من هذا المنظور، لا يمكن التعامل مع البيان باعتباره مجرد إعلان سياسي، بل بوصفه محاولة لإعادة إنتاج معنى مفقود في زمن لم يعد يعترف بالرموز التي تأسس عليها الخطاب القديم للجبهة. فالبيان يأتي في لحظة سياسية تبدو فيها البوليساريو خاسرة للمعركة الدبلوماسية، بعد أن تحوّل التوازن الدولي لصالح المبادرة المغربية للحكم الذاتي التي طُرحت سنة 2007 وحظيت لاحقًا بتنامي الاعترافات الدولية بها، ما جعلها مركز الخطاب الجديد في الفضاء السياسي الإقليمي والدولي.
في ظل هذا التحول، يحاول البيان إعادة بناء موقع الجبهة داخل “الكرة السيميائية” التي تغير مركزها. فالمفردات التي كانت تشكّل قديماً قلب خطاب البوليساريو – مثل “تقرير المصير”، “الشرعية الدولية”، “حل عادل ودائم” – أصبحت اليوم علامات باهتة في نظام دلالي تجاوزها.
لقد فقدت هذه الرموز طاقتها التداولية لأن الجمهور الدولي أعاد تأويل مفهوم تقرير المصير ليعني في سياق النزاعات المعاصرة حلولاً تفاوضية من قبيل الحكم الذاتي، لا الانفصال أو الاستقلال. وعليه، فإن البيان لا يقدم معنى جديداً، بل يكرر رموزاً كانت ذات سلطة رمزية في الماضي، فتحولت اليوم إلى ما يسميه لوتمان “العلامة الفارغة”، أي تلك التي تحتفظ بشكلها دون مضمونها الأصلي.
يظهر النص كذلك كخطاب تعويضي يحاول تغطية فقدان التأثير الواقعي بلغة مثقلة بالإحالات إلى الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن. فهذه الاستدعاءات لم تعد تؤدي وظيفة حجاجية بقدر ما أصبحت زينة رمزية، أو ما يسميه لوتمان “المرجع الزخرفي”، حيث تتحول الأمم المتحدة من مصدر للشرعية إلى قناع يخفي عجز الفاعل السياسي عن إنتاج مسار جديد.
إن الإكثار من الحديث عن “حسن النية” و“الاستعداد للتفاوض” لا يعبر عن انفتاح حقيقي بقدر ما يعيد إنتاج الخطاب ذاته في محاولة لتأجيل الاعتراف بفقدان المركز الدلالي الذي كان يشغله.
من ناحية أخرى، يُظهر البيان انغلاقاً سيميائياً واضحاً. فهو يتحدث من داخل شفرة لغوية قديمة، متجاهلاً التحولات التي طرأت على السياق الإقليمي والدولي. هذا ما يجعل النص مغلقاً على ذاته، يكرر مفرداته كما لو كانت طقساً لإثبات الوجود أكثر من كونها وسيلة للتواصل. في منطق لوتمان، النظام الدلالي المغلق هو نظام يدور حول ذاته لأنه فقد القدرة على التفاعل مع بيئته الرمزية. ومن هنا يمكن فهم ما قاله المنشق الصحراوي مصطفى سلمى ولد سيدي مولود حين وصف الوضع بأن “البوليساريو تحاول العودة إلى اللعب في الوقت بدل الضائع”. فالبيان هو بالفعل محاولة رمزية لاستعادة الحضور بعد أن تجاوزته اللعبة السياسية، إنه نص يعيش خارج زمنه السيميائي.
تبدو البوليساريو، من خلال هذا البيان، وكأنها تحاول إنقاذ سردية فقدت مركزها. فهي تواصل الحديث عن “الشعب الصحراوي” بوصفه وحدة رمزية متجانسة، بينما الواقع الميداني والانقسامات الداخلية جعلا هذا الرمز هشاً. كما تواصل تصوير المغرب بوصفه “الآخر المانع للحق”، في حين تغيّر موقع هذا “الآخر” في الخطاب الدولي ليصبح فاعلاً يقدم “الحل الواقعي”.
بذلك، يصبح البيان محاولة متأخرة لترميم بنية رمزية تتفكك، إذ لم يعد هناك ما يؤسس التوتر الثنائي الذي كانت تقوم عليه سردية الجبهة بين “الشرعية” و“الاحتلال”، “النضال” و“العدوان”، “الشعب” و“القوة الغازية”.
من هذا المنظور، يمكن القول إن البيان الأخير لجبهة البوليساريو يمثل نصاً يندرج ضمن ما يسميه لوتمان “الخطاب الاحتفالي للهوية”، حيث يُعاد إنتاج الرموز القديمة بهدف الحفاظ على تماسك جماعة تشعر بأن وجودها الرمزي مهدد.
لكنه في الوقت ذاته يكشف عن مفارقة سيميائية عميقة: فهو يتحدث بلغة فقدت جمهورها، ويستخدم رموزاً لم تعد قادرة على توليد المعنى، ويحاول أن يؤكد شرعية تجاوزها الواقع.
إنه نص يشتغل داخل فضاء فارغ، يعيد ترديد أسطوانة مشروخة في محاولة لاستعادة مركز لم يعد له وجود، في زمن أصبحت فيه مبادرة الحكم الذاتي هي الشفرة الجديدة التي أعادت تنظيم النظام الدلالي للنزاع بأسره.
اترك تعليقا