كتاب وآراء

مهرجان التبوريدة في زمن العطش: أية مسؤولية لرئيس جماعة بني خلوك؟

مصطفى البغدادي

شارك المقال
شارك المقال

في الوقت الذي تعاني فيه ساكنة جماعة بني خلوك من انقطاع تام للماء الصالح للشرب منذ أيام، فوجئ المواطنون بإصرار المجلس الجماعي على تنظيم مهرجان احتفالي يُصرف فيه المال العام بسخاء ، وضدا في الأصوات المعارضة لهذا المهرجان والتي نعتها الرئيس ب ” الشامتين”.

مشهد يثير الكثير من الاستغراب ويطرح تساؤلات عميقة حول ترتيب الأولويات لدى المسؤولين المحليين، وعلى رأسهم رئيس الجماعة، الذي يبدو أنه فقد البوصلة في تدبير الشأن العام، الشيء الدي بدا جليا خلال كلمته الافتتاحية التي حملت في طياتها ارتباكا كبيرا وغيابا لأفق التغيير الدي طالما أطنب به الساكنة.

سيدي الرئيس،

إعلم رعاك الله أن أخطاءك اللغوية في خطاب افتتاح موسم سيدي العنبر والتي تجاوزت الإحدى عشر خطأ بين رفع ونصب وجزم، ليست مجرد عثرات لسان، بل تعبير عن ارتباك ذهني وفكري يفقد الخطاب قيمته الإقناعية. في علم النفس التربوي. هذه العثرات تضعف الثقة التي تبخرت بتبخر وعودكم الهلامية: لا حمام ولا حدائق ولا خدمات تجعلنا أمام المدينة التي وعدتنا بها، الشيء الدي يدكرنا بالمدينة الفاضلة التي تغنى بها أفلاطون في مثاليته الشهيرة. فالكلمة مسؤولية، واللغة أداة سلطة لو أحسنت توظيفها، ومن لا يحسن امتلاكها يُظهر هشاشة في القيادة التوليتارية قبل أن يكشف عن ضعف في ثقافة المتحدث نفسه.

لن نخوض كثيرا في الميزانية التي خصصها المجلس الجماعي كي لا ننغص على سعادة الرئيس سعادته بصرفها ومنحها لفنانين مغاربة نكن لهم كامل التقدير والاحترام، لكن من فقه الأولويات أن توجه البوصلة لاحتياجات الساكنة ومعالجة مشاكلهم التي تزداد كلما ازداد عناد الرئيس وكأني به يصر على تأزيم الوضع ليقدم لنا نفسه كفارس التغيير كما كان الحال عليه إبان ولاية سلفه عبد الواحد الشدالي.

تجدر الإشارة إلى أن الجمعية التي أوكلت لها مهمة تسير الموسم، والتي لم تمر السنة على تأسيسها، لم تقدم ولا كلمة في افتتاح الموسم ولم تطلع الساكنة العطشانة عن الميزانية المرصودة للموسم ومصادر تمويلها، الشيء الدي يجعلنا أمام تنظيم صوري يلعب فيه ولد الناجح البطل المخلص من المشاكل والأمراض والعثرات، إلا العطش والاقتراض وإغراق الجماعة في الديون التي تتراكم بحجج واهية تنطلي على ساكنة عنوانها البساطة و” النية”.

اِعلم يا هذا أن الماء مورد أساسي للحياة وأن مقايضته بالأنشطة الاستعراضية يفوت عليك أن تكون خادما للقبيلة لا سيفا مسلطا ينعتهم باشامتين. بالله عليك وعلى سياستك التي يطبعها النكوص والرجعة، كيف لي أن استمتع بسعيد الخريبكي والميلس ومجموعة الوشام وأنا ” خانز الإبطين”؟ أظن أن غيابكم عن واقع الجماعة جعلكم تتنكرون للانقطاع المستمر للماء وما جعل حياة الأسر اليومية جحيماً، حيث باتت مضطرة للبحث عن بدائل مكلفة ومتعبة مع أداء تكاليف الاشتراك الشهرية دونما تدخل يرقى ألى مستوى المليار ونصف المليار التي صرفتموهم بسخاء في مشروع فاشل أصبحتم تعلقون فشله على ” الشامتين” عوض أن تتحملو فيه كامل المسؤولية، بل اصبحتم تبدرون مقدرات الجماعة دونما حسيب ولا رقيب بعدما نجحتم أيما نجاح في هدم العمل الجمعوي، سواء عبر شراء صهاريج بأثمنة مرتفعة أو التنقل لمسافات طويلة بحثاً عن نقطة ماء. هذا الوضع لا يليق بكرامة المواطن ولا ينسجم مع الحق الدستوري في الولوج إلى الخدمات الأساسية.
المهرجان… أولوية معكوسة

قديما، كانت تنصب الخيام وترقص الشيخات فرحا بمحصول زراعي وفير، فتحصلن بدلك على مكافآت مهمة من طرف الفلاحين الدين أرهقهم موسم طويل من الجهد والتعب.

في زمن الجفاف، ورغم الواقع المرير الدي تعيشه الجماعة، أصر سعادة الرئيس على المضي في تنظيم مهرجان يُراد له أن يكون واجهة احتفالية ومحافظا على إرث لامادي على حد تعبيره. اعلم رعاك الله سيدي الرئيس الدي علقنا عليك الآمال قبل أن تتبخر وتندثر، أن العطش الذي يطرق أبواب البيوت لا يعنيك في شيء. فهل يُعقل أن تُصرف الأموال على الفرق الموسيقية بينما يمكن توجيه نفس الميزانية لإيجاد حلول استعجالية لمعضلة الماء. إن سياسة الهروب إلى الأمام، ومحاولة لصرف الأنظار عن المشاكل التي يتخبط فيها المجلس الجماعي وقصور النظر في استجلاب مشاريع تنموية أو على الأقل تهيئة المركز والتهمم بمعيش الناس أولى من “الطراكس” وسعيد الخريبكي يا رئيس جماعة بني خلوك. ليس عيبا أن تفكر في المهرجان، لكن لا يجب أن يكون دلك حملة استباقية لتجميل صورة تآكلت وانكشفت عوراتها.

إن استمرار هذا النوع من التسيير المرتبك يعكس أزمة عميقة في الحكامة المحلية. فالمواطنون” الشامتون”، كما وصفهم الرئيس الجليل، لا يعارضون المهرجانات في حد ذاتها، بل يعارضون أن تُقام على أنقاض حقوقهم ومآسيهم اليومية.

المهرجان والرقص ونصب الخيام قيمة إضافية إذا جاء بعد ضمان الماء والكهرباء والطرق ووسائل الترفيه، أما في ظل العطش وانقطاع الخدمات، فإنه يتحول إلى عبث حقيقي وإساءة لكرامة ساكنة استأمنتكم على تدبير شؤونها.

باحث في الشأن الثقافي والفني

اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *