عصام أمݣار- المقال المغربي
يعد افتتاح المستشفيين الجامعيين بكل من الرباط وأكادير حدثًا وطنيًا بارزًا يجسد الرؤية المتبصرة للمملكة في جعل صحة المواطن في صلب السياسات العمومية، ويؤكد أن ورش بناء المغرب الحديث لا يقتصر على تشييد الملاعب أو البنيات الاقتصادية، بل يمتد إلى بناء مؤسسات ترسخ العدالة الاجتماعية وتضمن تكافؤ الفرص في العلاج والتكوين الطبي .
هذا الحدث يندرج ضمن دينامية شاملة تعيشها المملكة استعدادًا لاحتضان كبريات التظاهرات القارية والعالمية، حيث أصبح النجاح في التنظيم يقاس بمدى جاهزية الدولة في مختلف القطاعات، خصوصًا الصحة والبحث العلمي. فالمستشفيات الجامعية اليوم ليست مجرد مرافق طبية، بل فضاءات للتكوين والبحث، ومراكز لإعداد كفاءات وطنية قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية والطبية، مما يجعلها ركيزة أساسية في مشروع الدولة الاجتماعية الحديثة التي تضع الإنسان في قلب التنمية .
وما تحقق اليوم لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة خطة وطنية مدروسة تسير بخطى واثقة نحو استكمال المشاريع الكبرى المهيكلة التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الأخيرة. هذه المشاريع ليست مبادرات معزولة، بل حلقات متكاملة ضمن رؤية استراتيجية تجعل من كل ورش لبنة في بناء مغرب متجدد، إنها سياسة تنموية متكاملة تمزج بين البعد الاقتصادي والاجتماعي، وتربط البنية التحتية بروح المواطنة والعدالة، بعيدًا عن الانتقائية أو المقاربة الظرفية.
ويُظهر النموذج المغربي اليوم قدرة على الإصغاء لنبض المجتمع والتفاعل مع انتظارات المواطنين بذكاء مؤسساتي رصين، فالدولة لا تكتفي بتشخيص الأعطاب، بل تعمل على معالجتها وفق منهجية تشاركية تستمع لنبض الشارع وتترجم المطالب المشروعة إلى سياسات واقعية ملموسة. وقد عبّر جلالة الملك في أكثر من مناسبة عن رفضه لفكرة “مغرب السرعتين”، تأكيدًا على أن التنمية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا شملت كل جهات الوطن بشكل منصف ومتوازن، فلا أحد يُترك خلف الركب في مغرب يسير بقوة واحدة نحو المستقبل.

وفي هذا السياق، برزت مدينة أكادير خلال السنتين الأخيرتين كنموذج تنموي متجدد، حيث شهدت المنطقة دينامية غير مسبوقة في تاريخها الحديث. فقد تسارعت وتيرة إنجاز المشاريع الكبرى بشكل لافت، مما جعل المدينة تتحول إلى ورش مفتوح يعكس روح الحكامة الجيدة والتدبير الميداني المتبصر. وقد أظهرت التجربة أن وجود قيادة ترابية تمتاز بالحضور الفعّال والرؤية المتوازنة قادر على إحداث الفرق حين تُدار المشاريع بعقلية الدولة وبروح المسؤولية. فالمتابعة الدقيقة للأوراش الكبرى والحرص على تحقيق الالتقائية بين مختلف الفاعلين، والميل إلى الإنجاز بدل الخطاب، جعلت من أكادير نموذجًا يُحتذى به في التسيير الجهوي، حيث تتجسد الإرادة في الفعل، ويترجم التخطيط إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية .
لقد تميزت هذه الدينامية خلال السنتين الماضيتين بالصرامة في المتابعة، وبالقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، وبالعمل الميداني الذي يربط الخطط بالنتائج. فالمقاربة الواقعية التي اعتمدت على تثمين الزمن التنموي، والمواكبة المستمرة، جعلت المواطن يلمس التغيير في حياته اليومية، وأعادت الثقة في العمل المؤسساتي الجاد القائم على النتائج لا على الشعارات.
إن افتتاح المستشفيين الجامعيين في الرباط وأكادير يؤكد أن التنمية في المغرب مشروع متكامل لا يعرف الفصل بين القطاعات. فكما يُبنى الاقتصاد على الاستثمار، يُبنى الإنسان على التعليم والصحة، والمستشفى الجامعي ليس مجرد مبنى، بل هو مختبر وطني تتقاطع فيه المعرفة والتكوين والخدمة العمومية، مما يجعله أحد أوجه التكامل بين الدولة والجهات في تنزيل المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تستهدف المواطن وتقدم الوطن، وهو أيضًا تجسيد حيّ لمفهوم الدولة الاجتماعية التي لا تكتفي بتشييد الجدران، بل تسعى إلى صون الكرامة الإنسانية وتوفير الرعاية للجميع دون تمييز .
ومن اللافت في هذه المرحلة التحول في الرأي العام تجاه المشاريع الكبرى، فقد اختفت الأصوات التي كانت تهاجم بناء الملاعب وتنتقد حجم الاستثمارات المخصصة لها، بعدما تبين للجميع أن تلك المشاريع لم تكن ترفًا، بل جزءًا من رؤية وطنية شاملة تضع المغرب في مصاف الدول القادرة على الجمع بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية. لقد صمت المنتقدون حين رأوا أن تلك الملاعب أصبحت روافد للتنمية ومراكز لفرص الشغل ومحفزات للاستثمار والانفتاح الرياضي والثقافي، أين هم الآن أولئك الذين شككوا في جدوى هذه المشاريع؟ لقد اختفوا لأن المنجزات تكلمت بلغة الأرقام، ولأن الواقع فند المزاعم وأثبت أن المغرب حين يخطط فإنه لا يغامر، بل يستثمر في المستقبل بثقة واقتدار .
إن هذا الحدث الصحي الكبير برز كرسالة سياسية واضحة مفادها أن المغرب يسير بثقة نحو المستقبل، وأن أوراشه المفتوحة تُدار بعقل الدولة الحديثة لا بمنطق الارتجال. إنها رسالة لكل من يتتبع الشأن الوطني بأن التنمية ليست شعارًا إعلاميًا، بل فعل يومي هادئ ومتواصل يقوم على التخطيط والرؤية والنجاعة، فالمغرب اليوم لا يبني الحاضر فحسب، بل يصنع ملامح الغد بثبات، واضعًا الإنسان في قلب كل مشروع، إيمانًا بأن قوة الأوطان تُقاس بمدى عناية دولها بمواطنيها قبل كل شيء. .
اترك تعليقا