الواجهةسياسةمجتمع

جيل ‎#GenZ212: النص المفتوح بين وعي مُمَسرَح وأجندات متخفية

شارك المقال
شارك المقال

نورالدين ثلاج -المقال المغربي 

يبدو أن جيل ‎#GenZ212، بما يمثله من حضور رقمي صاخب، لم يعد مجرد شريحة عمرية في المجتمع المغربي، بل تحول إلى نص ثقافي متعدد الطبقات، يمكن قراءته سيميائيًا بوصفه فضاءً يتقاطع فيه السياسي بالرمزي، والافتراضي بالواقعي. فكل “تغريدة” أو “تدوينة” تصدر عن هذا الجيل ليست مجرد تعبير عابر، بل علامة (sign) تُفكّ شيفرتها في ضوء شبكة معقدة من الرموز والمعاني التي تحكم علاقة الشباب بذواتهم وبمؤسساتهم وبصورتهم عن الوطن.

وفق تصور يوري لوتمان، فالثقافة ليست نظامًا مغلقًا بل “سيميُوسفير” (semiosphere) — فضاءً ديناميكيًا تتفاعل داخله الرموز واللغات والمعاني في صراع دائم بين المركز والهامش. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن ظاهرة ‎#GenZ212 تشكل هامشًا لغويًا يحاول إعادة كتابة الخطاب الوطني من موقع التمرد، لكنه يفعل ذلك عبر لغة رقمية هجينة تجمع بين التهكم والاحتجاج، بين التورية والاختزال. غير أن هذا الهامش، بدل أن يُغني المشهد بدينامية نقدية، انزلق في كثير من الأحيان إلى تدوير رموز مستوردة، وفتح الباب لأسماء فقدت ارتباطها بالنسق الثقافي المغربي، مثل أحمد بن شمسي، أبو بكر الجامعي، توفيق بوعشرين، وعمر الراضي، الذين تم استدعاؤهم كعلامات “بطولية” في خطاب التمرد.

لكن القراءة السيميائية تكشف أن هذا “التمرد” ليس دائمًا تعبيرًا عن وعي نقدي أصيل، بل في أحيان كثيرة أداء رمزي (performance) يسعى إلى إنتاج صورة عن الذات أكثر مما يسعى إلى مساءلة الواقع. فالشاب الذي يهاجم الدولة أو المؤسسات عبر “ترند” على “إكس” أو “تيك توك”، لا يبحث فقط عن موقف، بل عن هوية رمزية داخل جماعة افتراضية تمنحه الاعتراف الذي يفتقده في الواقع. وهكذا يتحول الخطاب السياسي إلى علامة اجتماعية للانتماء، لا إلى أداة للفكر.

أما من منظور ميخائيل باختين، فإن المشهد الرقمي الذي يصنعه هذا الجيل يمثل حالة من التعدد الصوتي (polyphony) حيث تتداخل الأصوات والخطابات دون أن تنصهر في صوت واحد. غير أن هذا التعدد الذي يفترض أن يكون مصدر غنى ثقافي، يتحول في الممارسة إلى حوارية زائفة، إذ يُقصى الصوت المخالف باسم الحرية ذاتها. كل رأي وطني أو متزن يُسكت بلغة “الترند”، وكل محاولة للتفكير الهادئ تُغرقها موجة السخرية والاتهام. وهكذا يصبح الفضاء الحواري أقرب إلى مونولوج جماعي يُعيد إنتاج ما يريد الجمهور سماعه لا ما يحتاجه النقاش العمومي.

المفارقة أن ‎#GenZ212 يتحدث باسم الوعي بينما يمارس شكلاً من المسرحة الجماعية للوعي ذاته. إنهم يؤدّون أدوارًا رمزية في نص أكبر منهم، نصٍ تكتبه خوارزميات المنصات وأجندات تتقاطع بين الداخل والخارج. فحين يُحتفى بمن فقدوا بوصلتهم الوطنية باعتبارهم رموزًا للحرية، يتحول الفعل الثقافي إلى محاكاة داخل محاكاة — reality turned into simulacrum — حيث تذوب الحقيقة في الصورة، والالتزام في “الهاشتاغ”.

غير أن هذا لا يعني أن هذا الجيل بلا طاقة فكرية أو وعي. بالعكس، يحمل ‎#GenZ212 طاقة رمزية هائلة يمكن أن تتحول إلى قوة تغيير حقيقي، لو استطاع أن يتحرر من أسر الرموز الجاهزة ومن غواية التصعيد السهل. فالثقافة، كما يرى لوتمان، تعيش على حافة التوتر بين النظام والفوضى؛ لكن هذا التوتر يجب أن يُنتج المعنى لا الضجيج. والمجتمع الذي لا يستثمر في وعي شبابه، يترك فراغًا تملؤه الخطابات الخارجية والأجندات الغامضة.

جيل ‎#GenZ212 إذن يقف أمام منعطف دلالي: إما أن يكتب نصه الخاص بلغة نقدية مغربية أصيلة، أو أن يُكتب له النص من خارج السيميُوسفير الوطني. فالمستقبل لن يُبن بالصراخ الرقمي، بل بوعي ثقافي قادر على التمييز بين النقد والتهديم، بين الحوار والضجيج، بين الحرية كقيمة والحرية كموضة.

إن العلامة الثقافية في معناها اللوتماني ليست مجرد أثر لغوي، بل هي نقطة التقاء بين الذاكرة والهوية. وعندما يختل توازن السيميُوسفير، يصبح لزامًا على “الضمير الوطني” أن يستعيد موقعه كمركز دلالي ينتج المعنى ويضبط إيقاع التداول الرمزي داخل الثقافة. فالوطن، في النهاية، ليس مجرد فضاء جغرافي، بل هو “نص مفتوح” يكتب ذاته باستمرار عبر أجياله. وإذا كانت الهامشية الرقمية تميل إلى تفكيك الرموز، فإن صوت الضمير الوطني يظل العلامة الأكثر ثباتًا، لأنه الذاكرة التي تحفظ النص من الذوبان في فوضى الخطابات.

 

1 Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *