مجتمع

الدكتورة عتيقة زيوي… ذاكرة لن تنطفئ

شارك المقال
شارك المقال

رحلت عنّا يوم السبت 16 غشت 2025 الدكتورة عتيقة زيوي، فغاب الجسد وبقي الأثر، وغابت الصورة وبقي المعنى. لم يكن رحيلها خسارة لموظفة أو طالبة أو باحثة فحسب، بل غياباً لروح حوّلت كل مرحلة من حياتها إلى درس في الإرادة، وكل منعطف إلى طاقة جديدة للعطاء. لقد خلّفت وراءها فراغاً يصعب ملؤه، وجرحاً عميقاً في قلوب أسرتها وزميلاتها وزملائها وأساتذتها وطلبتها، لكنّها تركت أيضاً إرثاً يجعل حضورها أبقى من الغياب، وأعمق من الموت.

عرفتها أولاً موظفة إدارية في الكلية المتعددة التخصصات بخريبكة، حيث كانت رمزاً في الانضباط والجدية والإخلاص. كانت متواجدة دوماً بابتسامتها الدافئة، متاحة للمساعدة، منصتة لكل من يقصدها، وداعمة لزميلاتها ولزملائها دون تردد. لم تكن مجرد إدارية، بل كانت جزءاً من روح الكلية وحياتها اليومية.

ثم ازدادت معرفتي بها حين اتخذت قراراً جريئاً بالعودة إلى مقاعد الدراسة متأخرة نسبياً، قراراً عبّر عن طموحها الذي لا تحده الظروف ولا يوقفه العمر. ومنذ تسجيلها في السنة الأولى من شعبة الجغرافيا بالكلية، أثبتت أنها طالبة لامعة واستثنائية. حصلت على الإجازة سنة 2015، ثم تابعت دراستها في ماستر ” المجال، التراث والتنمية الجهوية” ببني ملال، لتؤكد مرة أخرى أنها امرأة لا تعرف التوقف ولا الاستسلام.

في سنة 2020، التحقت بسلك الدكتوراه بالجغرافيا، وكان لي شرف الإشراف على أطروحتها إلى جانب زميلي الأستاذ عبد المجيد السامي. اختارت موضوعاً عميقاً وراهنياً حول “الهجرة النسائية: المسارات، الاستراتيجيات والهجرة العائدة – حالتا خريبكة وأبي الجعد”. كان بحثها أكثر من مجرد عمل أكاديمي؛ كان شهادة على التزامها بقضايا مجتمعها، ورغبتها في إبراز صوت النساء المهاجرات اللواتي كثيراً ما أُقصين من النقاش العلمي. وقد أبدعت في أطروحتها بفضل مزجها بين الشهادات الحية والمعطيات الميدانية والكمية، فكان عملها صورة عن صرامتها العلمية وثراء فكرها.

لم تكن عتيقة مجرد باحثة، بل كانت قبل كل شيء إنسانة استثنائية. كانت الابتسامة لا تفارق وجهها، واللطف يميز تعاملها مع الجميع، والعطاء عنواناً لحياتها اليومية. كانت أماً محبة وجدة حنونة، تعطي بحب لا حدود له، وتوازن بذكاء نادر بين مسؤولياتها الأسرية والتزاماتها المهنية والعلمية. وبجانب ذلك، كانت أيضاً مناضلة نقابية ملتزمة، تؤمن بحقوق جميع زميلاتها وزملائها، تدافع عن قضاياهم، وتقف دائماً إلى جانبهم، مؤمنة بأن العدالة الاجتماعية والكرامة في العمل ركيزتان لا غنى عنهما.

إن رحيلها اليوم خسارة كبيرة لأسرتها الصغيرة، لكنه أيضاً خسارة للجامعة، ولمدينة خريبكة، وللمجتمع الأكاديمي، وللمحيط النقابي الذي فقد صوتاً صادقاً ووجهاً إنسانياً مضيئاً، وأيضاً لجهة بني ملال–خريبكة التي انتُخبت سنة 2018 عضواً بمجلسها، حيث حملت قضايا الناس بصدق وأمانة. لقد جمعت في شخصها المثابرة الأكاديمية، والالتزام النقابي، والإخلاص الوظيفي، والحنان العائلي، والبسمة الإنسانية. كانت عتيقة نموذجاً للمرأة المغربية المكافحة، التي لم ترضَ أن تكون على الهامش، بل اختارت أن تترك بصمتها في كل مجال خاضته.

رحم الله الدكتورة عتيقة زيوي، وأسكنها فسيح جناته. برحيلها فقدنا واحدة من أنبل الشخصيات التي جمعت بين قوة الفكر وصدق النضال وعمق الإنسانية. لم يكن عطاؤها مجرد مسار أكاديمي عادي، بل كان مشروع حياة كرسته للعلم والمعرفة وخدمة قضايا مجتمعها، حيث جعلت من البحث العلمي أداة للكشف عن الأصوات المهمشة، ومن النضال النقابي والسياسي وسيلة للدفاع عن الحقوق، ومن إنسانيتها جسراً يربطها بزملائها وطلبتها وكل من عرفها.

مصطفى ازعيتراوي
أستاذ التعليم العالي
الكلية المتعددة التخصصات بخريبكة

اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *