الواجهةمال و أعمالمجتمع

OCP: حين تصبح “الثروة الحقيقية هي الإنسان” مجرد شعار ينهار أمام أجور هزيلة وحوادث قاتلة

شارك المقال
شارك المقال

المقال المغربي من الرباط 

لا يكاد يمر حوار أو تصريح للرئيس المدير العام لمجموعة OCP، مصطفى التراب، دون أن يعيد التأكيد على أن “الثروة الحقيقية للمغرب وللمجمع هي الإنسان”.

كلمات رنانة تحمل وقعًا جميلا، لكنها تصطدم على الأرض بواقع قاس يعيشه آلاف العمال البسطاء في مواقع المجمع، خاصة أولئك المنتمين إلى شركات المناولة.

فعلى الورق، يقدم التراب فلسفة براقة: استثمار في المعرفة والابتكار، ضخ دماء جديدة عبر توظيف آلاف الشباب، وتشييد جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية كواجهة عصرية للبحث والتطوير.

لكن في المقابل، تتكشف صورة أخرى صادمة: أكثر من 40 ألف عامل موزعين على مواقع OCP وطنيا – بينهم ما بين 6 و7 آلاف عامل وعاملا بموقع خريبكة وحدها – يعيشون في ظروف أقل ما يقال عنها إنها مهينة.

أجور زهيدة لا تواكب تكاليف الحياة، غياب شبه تام للتغطية الاجتماعية والتأمين الصحي، هشاشة عقود تترك العامل تحت رحمة المقاولة من الباطن، وانعدام شروط السلامة في بيئة منجمية خطيرة.

ولعل ما يزيد الطين بلة أن هذه الأوضاع تترجم في حوادث شغل مميتة راح ضحيتها العديد من العمال، تاركين وراءهم أسرًا مكلومة بلا معيل ولا سند قانوني.

فأي معنى لشعار “الثروة الحقيقية هي الإنسان” حين يظل هذا الإنسان معرضًا للموت كل يوم بسبب غياب أبسط تجهيزات الوقاية؟ وأي جدوى من الاستثمار في جامعات بمليارات الدراهم بينما آلاف العمال في خريبكة وغيرها يفتقدون حتى لبطاقة تأمين صحي تضمن لهم العلاج؟

لكن ثمّة مفارقة صارخة. فمن جهة، خطاب رسمي يوظف لغة براقة عن النية والالتزام الجماعي، وعن الإنسان باعتباره قلب الإستراتيجية، ومن جهة أخرى، واقع يومي يضع العمال في خانة “أدوات إنتاج رخيصة” تُستهلك وتُستبدل دون اعتبار لحقوقهم أو لكرامتهم.

الأدهى أن شركات المناولة نفسها التي تستغل هؤلاء العمال، غالبا ما توجد مقراتها في مدينة خريبكة بعيدة عن مواقع العمل، مما يزيد من معاناة التنقل اليومي في ظروف مهينة تزيد الإجهاد النفسي والجسدي.

إن مجموعة OCP التي تقدم نفسها كفاعل عالمي في الأمن الغذائي وتبشر بمشاريع كبرى لإفريقيا، مطالبة أولا وقبل كل شيء بتأمين الأمن الاجتماعي والمهني لعمالها. فالثروة الحقيقية ليست في أرقام الصادرات ولا في الأبراج الجامعية الحديثة، بل في كرامة العامل الذي ينزل كل صباح إلى أعماق المناجم أو يقف في قلب المصانع معرضًا للخطر.

باختصار، إذا لم يتحول خطاب التراب إلى إجراءات ملموسة تضمن الأجر العادل، التغطية الاجتماعية، السلامة المهنية، والاستقرار لعشرات الآلاف من عمال المناولة، فإن عبارة “الثروة الحقيقية هي الإنسان” لن تكون سوى شعار أجوف، ينهار مع كل أجر زهيد ومع كل حادثة شغل مميتة.

اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *