نورالدين ثلاج-المقال المغربي
لم تعد الطريق الجهوية رقم 710، الرابطة بين أبي الجعد وخنيفرة، مجرد محور طرقي متدهور يحتاج إلى إصلاح، بل تحولت إلى مرآة تعكس واقعًا سياسيًّا وإعلاميًّا مألوفًا: طريق مليئة بالحفر، ونقاش مليء بالدخان.
فالمشهد على الأرض بسيط وواضح لكل من مرّ من هذا المقطع الطرقي. حفر متفرقة، اهتراء في جنبات الطريق، ونقاط أصبح المرور منها مخاطرة يومية. لا يحتاج الأمر إلى تقارير تقنية ولا إلى تحليلات مطولة، فمستعملو الطريق يعرفون الحقيقة جيدًا: الطريق في حالة سيئة وتحتاج إلى تدخل مستعجل.
لكن ما إن طُرح الموضوع في النقاش العمومي حتى تغيرت قواعد اللعبة. فجأة لم تعد المشكلة هي الطريق، بل أصبحت المشكلة هي من يتحدث عن الطريق. وبدل أن ينشغل البعض بالسؤال البسيط: كيف نصلح المقطع المتضرر؟، انصرف النقاش إلى سؤال آخر أكثر ملاءمة للحسابات السياسية: لماذا يتحدث أحد عن هذا الطريق الآن؟
هكذا يتحول النقاش من الواقع إلى النوايا، ومن الحفر إلى التأويلات. وتبدأ بعض المقالات في توزيع شهادات “البراءة السياسية” واتهام كل من يثير الموضوع بأنه يخوض حملة انتخابية مبكرة، وكأن الحديث عن طريق متدهورة أصبح جريمة سياسية تحتاج إلى إذن مسبق.
المفارقة التي لا تخطئها العين أن هذا الخطاب يصدر أحيانًا عن أطراف تخوض في الوقت نفسه حملة ميدانية لا تقل وضوحًا، لكنها تُمارس هذه المرة بآليات الترقيع السريع داخل شوارع مدينة خريبكة. عمليات ترقيع محدودة، تظهر فجأة في بعض الأزقة والطرق، وتختفي بسرعة… مشهد بات يُتداول محليًّا بسخرية تحت وسم #الزفت_الانتخابي.
وهو وصف ساخر، لكنه يلخص واقعًا يعرفه سكان المدينة جيدًا: عندما تقترب السياسة، يظهر الزفت. وعندما تمر السياسة، تعود الحفر.
والحقيقة أن مدينة خريبكة نفسها تعيش منذ سنوات اختلالات واضحة في بنيتها الطرقية، إلى درجة أن كثيرين يرون أنها دخلت عملياً غرفة الإنعاش منذ سنة 2021. ومع ذلك، يبدو أن النقاش حول الطرق يصبح “مزعجًا” فقط عندما يتعلق بمحور طرقي خارج المجال الحضري للمدينة.
وسط هذا الضجيج السياسي والإعلامي، يبقى السؤال الذي يطرحه مستعملو الطريق أكثر بساطة من كل المقالات: متى سيتم إصلاح المقطع الأكثر خطورة؟
فالمشاريع الكبرى لإعادة تأهيل الطريق قد تحتاج فعلاً إلى مساطر واتفاقيات وتمويلات، وهذا أمر مفهوم في تدبير المشاريع العمومية. لكن إغلاق حفرة أو إصلاح نقطة خطرة لا يحتاج إلى معركة سياسية ولا إلى مقالات هجومية، بل يحتاج فقط إلى قرار بالتدخل.
قصة الطريق الجهوية 710 تكشف مرة أخرى مفارقة السياسة المحلية: حين تعجز الحفر عن الصمت، يحاول البعض إسكات من يتحدث عنها. غير أن الواقع على الأرض يظل أكثر عنادًا من كل التأويلات.
فالطريق، في النهاية، لا تقرأ المقالات… لكنها تكشف الحقيقة في كل حفرة.
اترك تعليقا