بقلم عصام أمكار
يبدو أن الزمن السياسي في المغرب متوقف منذ خريف 2002، ولا يمكن تجاوز هذا الجمود إلا إذا تحمل الجميع مسؤوليتهم تجاه هذه الحالة. فقد كانت هناك خطوة توافقية مهمة من الجناح المعتدل في تيار الملكية البرلمانية بالمشاركة في الحكومة، وكان من المفترض أن يتم تحصين هذه الخطوة بشكل جيد حتى تعطي ثمارها. ولو تحقق ذلك كما ينبغي، لكان المغرب سبّاقًا في مواكبة التطورات العالمية دون ارتباك. غير أن ما حدث في المقابل أفرز حالة من الانتظار الطويل بدل الانتقال الحاسم، وكأن اللحظة السياسية أُجلت بدل أن تُستثمر. كما أن تراكم الفرص غير المستثمرة عمّق الإحساس بالركود داخل الوعي العام. لذلك، فإن استحضار تلك اللحظة ليس حنينًا إلى الماضي بقدر ما هو محاولة لفهم منعطف لم يُستكمل.
وانطلاقًا من هذا التعثر التاريخي، أثبتت التجربة بعد الربيع العربي أن صناديق الاقتراع لا تعكس دائمًا صورة حقيقية عن موازين القوى. فمع أهمية المسار الانتخابي ليس هناك سبيل للاستقرار الديمقراطي إلا من خلال نهج التوافق الصلب بين الأطراف التي تدرك جيدًا كيف تحمي مناعة النسيج الوطني في زمن يتغول فيه الرأسمال المتوحش. ذلك أن هذا الرأسمال لا يهتم بحقوق الدول أو الشعوب، بل يسعى لتحقيق مصالحه على حساب الجميع. ومن ثمّ، فإن الشرعية الانتخابية رغم أهميتها، تحتاج إلى سند سياسي وأخلاقي يحميها من الاختلال. كما أن التحولات الدولية السريعة تفرض إعادة تعريف مفهوم القوة داخل الدولة الوطنية. لذلك يصبح التوافق آلية دفاع استراتيجي قبل أن يكون مجرد خيار سياسي عابر .
وفي سياق فهم طبيعة هذا التوافق، فإن السياسي الذي يدرك أن الواقع أكبر وأعقد من التصورات البسيطة، يجب أن يستوعب أن الإيجابيات تصنعها الجموع، بينما السلبيات ينبغي أن يتصدى لها الأفراد بشجاعة ومسؤولية. ففي هذا التفاعل بين الجمع والمفرد يتقدم التاريخ وتتراكم التجارب. ومن هنا، فإن الجهود المشتركة والوعي الجماعي يساهمان في بناء مستقبل أفضل رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها المجتمعات. وبالتالي، فإن القيادة الحقيقية لا تعني احتكار القرار، بل تنظيم الطاقة الجماعية وتوجيهها نحو أهداف واضحة. كما أن المسؤولية الفردية تظل حجر الزاوية في تصحيح المسارات كلما انحرفت. ومن هذا التكامل يتجلى المعنى العميق للعلاقة بين المبادرة الفردية والعمل الجماعي .
وبالانتقال من الفاعلين إلى السياق العام، يبرز سؤال جوهري: ما القوة التي تمنع الحوار السياسي على مستوى النخبة وتعرقل التواصل على مستوى العموم ؟ وهل هي قوة معروفة أم أنها تتخفى خلف تعقيدات المشهد ؟ ثم هل كل ما يتشكل كقوة يجب بالضرورة أن يكون ظاهرًا للعيان؟
إنّ هذا التساؤل يدعونا إلى توسيع زاوية النظر، لأننا جميعًا نعيش تحت سقف بيت واحد ولا أحد يمكنه أن يزعم أنه يحب هذا البيت أكثر من الآخر. إنه بيت المغاربة جميعًا. كما أن الغموض الذي يلف بعض مراكز التأثير يزيد من تعقيد المشهد ويغذي سوء الفهم. لذلك، فإن الشفافية ليست ترفًا بل شرطًا لإعادة الثقة بين الفاعلين السياسيين والمجتمع، وحين تتضح الرؤية يتحول الاختلاف إلى عنصر إثراء بدل أن يكون سببًا في قطيعة صامتة .
ومن هذا المنطلق، يمتلك المغرب إمكانات كبيرة تؤهله ليكون نموذجًا في المنطقة إذا ما تم استثمارها بشكل صحيح ومدروس. فالقدرة على بناء توافقات وطنية قوية يمكن أن تساهم في تجاوز الجمود السياسي وتعزيز الاستقرار المؤسسي. كما أن التعاون بين مختلف القوى السياسية والمجتمعية ينبغي أن يشكل الأساس الصلب لهذا النموذج المنشود. لذلك يجب الإيمان بأن الحوار والتوافق هما السبيل الأمثل للتقدم والازدهار.
وإضافة إلى ذلك، فإن الموقع الجيوسياسي والرصيد الحضاري يشكلان عناصر قوة قابلة للتوظيف بذكاء. كما أن الاستقرار المؤسسي يمنح فرصة لبناء مسار إصلاحي متدرج ومتوازن، وعليه فإن الرهان الحقيقي يكمن في حسن تدبير هذه المقومات لا في مجرد تعدادها .
وتأسيسًا على ما سبق، فإن التوافق الوطني ليس مجرد شعارات ترفع في المناسبات، بل هو عمل جاد ومسؤولية جماعية تتطلب شجاعة ورؤية استراتيجية من جميع الأطراف. ذلك أن التحديات التي تواجه الدول اليوم معقدة ومتعددة الأبعاد، ولا يمكن التصدي لها إلا بروح جماعية وإرادة قوية .
ومن هذا المنطلق يشكل بناء الثقة المتبادلة المدخل الأول لأيّ تقارب فعلي، كما أن تجاوز الحسابات الضيقة يفتح أفقًا أوسع لتغليب المصلحة العامة. لذلك ينبغي أن تتقدم الرؤية الاستراتيجية على منطق المكاسب الظرفية .
وفي المقابل، فإن الفشل في تحقيق توافق وطني قد يؤدي إلى مزيد من الانقسام والتشتت، خاصة في ظل تزايد التحديات الاقتصادية والاجتماعية. ولهذا يصبح من الضروري العمل على بناء جبهة داخلية قوية قادرة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية. فالتوافق الوطني يوفر الأساس الضروري لتحقيق التنمية والاستقرار السياسي. فضلا عن ذلك، فإن هشاشة الجبهة الداخلية تجعل أي إصلاح عرضة للتعثر أو التراجع، كما أن غياب الانسجام يبدد الجهود ويضاعف كلفة القرارات الصعبة، ومن ثم فإن الوحدة ليست شعارًا تعبويًّا بل شرطًا عمليًّا لمواجهة التحديات .
وختامًا يعود السؤال المركزي بإلحاح: ما القوى التي تمنع الحوار والتوافق؟ أهي قوى خارجية تسعى إلى إرباك المسارات، أم داخلية تخشى فقدان مواقعها؟ وهل يمكن لهذه القوى أن تستمر في تعطيل التواصل بين النخبة والعموم؟ إنّ استحضار هذه الأسئلة يجب أن يقترن بوعي راسخ بأن البيت المغربي للجميع، وأن حب الوطن والعمل من أجله مسؤولية مشتركة. كما أن تشخيص العوائق بجرأة يمثل الخطوة الأولى نحو تفكيكها، إذ لا يمكن لأيّ قوة مهما كانت أن تصمد أمام إرادة وطنية واعية ومتماسكة. لذلك فإن الرهان النهائي يبقى على وعي المغاربة بقدرتهم على صناعة مصيرهم المشترك .
وفي هذا الإطار يصبح الحوار السياسي والتوافق الوطني ليسا مجرد خيارين ممكنين، بل ضرورة ملحة في زمن تتزايد فيه التعقيدات، ومن ثمَّ يتعين العمل على بناء جسور التواصل بين جميع مكونات المجتمع، والسعي الجاد إلى تحقيق توافق يضمن الاستقرار والتقدم. فبيت المغاربة يجب أن يظل بيتًا للجميع، يعمل فيه الجميع من أجل مصلحة الوطن ومستقبل أجياله، كما أن ثقافة الإنصات المتبادل تعزز فرص التقارب وتقلل من منسوب التوتر، ويظل الاستثمار في التربية السياسية والمدنية أحد السبل لترسيخ هذا المسار حتى يتحول التوافق من لحظة ظرفية إلى خيار استراتيجي دائم .
وعند تحقق هذا المسار التوافقي يمكن للمغرب أن يتجاوز الجمود السياسي وأن يقدم نفسه نموذجًا في المنطقة، قادرًا على مواجهة التحديات وبناء مستقبل مزدهر ومستقر، وعندئذٍ يصبح الانتقال من منطق التدبير إلى منطق البناء انتقالًا ممكنًا وواقعيًّا، كما تتعزز مكانة البلاد في محيطها الإقليمي والدولي بثقة وثبات. وهكذا يتأكد أن قوة الوطن لا تنبع من إلغاء الاختلاف، بل من قدرته على تحويله إلى طاقة جامعة تصنع التاريخ .
إنَّ أيّ قوة سياسية أو قوة اجتماعية لا يتحدد عمقُها وأفقُها إلا بمدى وفائها للطموح التاريخي؛ ذلك الطموح الذي يتمسّك باسترجاع المكانة التاريخية للمغرب ككيّانٍ وطنيٍّ يقود ولا يُقاد، منيعِ الاستقلال، ثابتِ الحضور، لا يتنازل عن حقٍّ ولا يُفرّط في أيِّ واجب .
اترك تعليقا