نورالدين ثلاج-المقال المغربي
لم يحضر المغرب إلى دافوس ليصفّقَ أو ليكونَ شاهدًا على مسار يرسمه الآخرون، بل حضر ليوقّعَ على انطلاقة فعلية سيكون لها ما بعدها في تاريخ العلاقات الدولية، وخصوصا في منطقة تعيش على وقع التحولات والتوترات.
فمشاركة المملكة المغربية في حفل توقيع ميثاق إنشاء “مجلس السلام” لم تكن حضورا رمزيًّا، بل فعلا مؤسِّسا منح المبادرة وجودها القانوني والسياسي.
ومَثّل وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، جلالة الملك محمد السادس في هذا الحدث الذي احتضنته مدينة دافوس السويسرية، حيث جرى توقيع الميثاق التأسيسي للمجلس.
ووفق الوثيقة المنشئة، فإنَّ دخول الميثاق حيز التنفيذ مشروط بموافقة ثلاث دول على الالتزام به، وهو ما نصت عليه صراحة المادة 1.11 من الفصل 11 المتعلق ببدء النفاذ.
في هذا السياق، جاء توقيع المغرب ليكون التوقيع الثالث بعد الولايات المتحدة الأمريكية ومملكة البحرين، وهو توقيع لم يكن شكليا أو ترتيبا بروتوكوليا، بل كان الشرط القانوني الذي جعل المجلس قائما وفاعلا. بذلك، لم يكتفِ المغرب بدعم المبادرة، بل لعب دورا حاسمًا في تحويلها من مشروع إلى واقع مؤسساتي.
ويكتسي هذا المعطى دلالة سياسية عميقة، إذ يصبح المغرب أول دولة توقّع المبادرة الأمريكية من حيث الأثر التنفيذي، لا من حيث الترتيب الزمني فحسب. وهو اختيار لا يمكن فصله عن تاريخ العلاقات المغربية الأمريكية، حيث يستحضر هذا الحدث لحظة مفصلية في الذاكرة السياسية الأمريكية، حين كان المغرب أول دولة في العالم تعترف باستقلال الولايات المتحدة.
إن استدعاء هذا البعد التاريخي يمنح للتوقيع المغربي معنى يتجاوز الظرفية، ويضعه في سياق استمرارية دور مغربي حاضر في مفاصل القدر الأمريكي، من لحظة التأسيس الأولى إلى لحظات إعادة تشكيل آليات السلام والنظام الدولي.
وتكشف الصورة المرافقة لحفل التوقيع، بما تحمله من رموز ودلالات، عن هذا المعنى بوضوح: فالتوقيع هو مركز المشهد، والوثيقة المرفوعة أمام عدسات العالم هي العلامة الأساسية، بينما يصبح التصفيق المحيط بها فعلا ثانويًّا. هنا، يتقدم الفعل السيادي على الاستعراض، وتغيب الشخصنة لصالح حضور الدولة كمؤسسة وفاعل استراتيجي.
بهذا المعنى، لم يكن المغرب حاضرا في دافوس بصفته تابعًا لمبادرة دولية، بل شريكا مُؤسِّسا في لحظة ولادة مجلس السلام، ومساهمًا في رسم مسار جديد يُراد له أن يترك أثرا دائما في النظام الدولي. حضور يؤكد، مرة أخرى، أن السياسة الخارجية المغربية تُمارَس بمنطق الاختيار الواعي، لا بمنطق الصدفة أو رد الفعل.
اترك تعليقا