الواجهةمجتمع

إنزكان: السجن لمسؤول دركي بسبب الاتجار الدولي في المخدرات

شارك المقال
شارك المقال

عبدالله إفني من أݣادير

في مشهد لم يكن يتوقعه الكثيرون، نطق قاضي الغرفة الجنحية بالمحكمة الابتدائية بإنزكان، يوم الأربعاء 14 غشت 2025، بحكم يقضي بخمس سنوات سجناً نافذاً وغرامة مالية قدرها 500 درهم، في حق القائد السابق لمركز الدرك الملكي بتغازوت (برتبة مساعد أول)، وذلك بعد متابعته بتهمتي الاتجار الدولي في المخدرات وإفشاء السر المهني.

لم يكن الحكم عادياً، بل جاء ليكشف عن واحدة من القضايا التي هزّت ثقة الرأي العام في بعض عناصر الأجهزة الأمنية، وطرحت أسئلة جوهرية حول اختراق شبكات التهريب الدولي لصفوف المكلفين بفرض القانون.

البداية… شحنة ضخمة على شاطئ تغازوت

تفجرت القضية صباح الاثنين 2 يونيو الماضي، عندما نجحت عناصر الدرك الملكي في ضبط شحنة من مخدر “الشيرا” بلغ وزنها طناً ونصفاً، كانت معدة للتهريب عبر شاطئ تغازوت في اتجاه الضفة الأخرى من المتوسط.

غير أن الصدمة لم تكن في حجم الكمية المحجوزة فقط، بل في ورود اسم القائد السابق لمركز الدرك الملكي بتغازوت ضمن التحقيقات. تحريات القيادة الجهوية بأكادير كشفت أن المسؤول الأمني كان على علم بالعملية، بل وتستر عليها، وهو ما دفع إلى توقيفه فوراً عن عمله وإيداعه السجن المحلي بأيت ملول رهن إشارة قاضي التحقيق.

خيانة الأمانة أم اختراق للشبكات؟

تورط رجل أمن في مثل هذه القضايا يثير أسئلة صعبة: هل الأمر يتعلق بحالة فردية من الانحراف الوظيفي، أم بقدرة شبكات التهريب الدولي على اختراق البنيات الأمنية الحساسة؟

تشير المصادر القضائية إلى أن الملف أثبت وجود تواطؤ واضح، لكن لم يُكشف بعد ما إذا كان القائد السابق جزءاً من شبكة منظمة أم مجرد مسؤول اختار الصمت مقابل منافع محتملة.

خلفيات أوسع: سواحل الأطلسي تحت المجهر

ليست هذه القضية الأولى التي تضع مسؤولين أمنيين في قفص الاتهام. فقد شهدت محاكم المملكة خلال السنوات الأخيرة ملفات مشابهة تورط فيها عناصر من الدرك والجمارك والقوات المساعدة، بتهم تتراوح بين التواطؤ في تهريب المخدرات والتغاضي عن مرور الشحنات.

ويرى باحثون في الشأن الأمني أن السواحل الأطلسية، الممتدة من أكادير إلى طنجة، أضحت هدفاً مفضلاً لشبكات التهريب بسبب طولها وصعوبة مراقبتها بشكل كامل، رغم المجهودات الكبيرة التي تبذلها السلطات عبر تعزيز الدوريات البحرية ونشر تقنيات المراقبة الجوية.

رسائل القضاء: لا أحد فوق المحاسبة

الحكم الصادر في حق القائد السابق لمركز الدرك بتغازوت يحمل رسائل قوية على أكثر من مستوى. فهو من جهة يعكس إصرار الدولة المغربية على محاربة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومن جهة أخرى يؤكد أن القضاء لن يتساهل مع أي انحراف وظيفي داخل الأجهزة المكلفة بفرض القانون.

ويرى المراقبون أن القضية، رغم خطورتها، تمثل فرصة لإعادة الثقة في المؤسسة الأمنية، عبر إظهار أن المحاسبة تشمل الجميع، مهما كانت الرتب أو المواقع.

آراء الخبراء: ضرورة إصلاحات بنيوية

يؤكد خبراء في علم الاجتماع الأمني أن مثل هذه القضايا تطرح الحاجة الملحة إلى تعزيز آليات المراقبة الداخلية والرقابة المجتمعية على الأجهزة الأمنية، حتى لا تتحول بعض “الثغرات الفردية” إلى بوابات تستغلها شبكات التهريب والإجرام المنظم. كما يدعون إلى مقاربة شمولية تجمع بين الجانب الأمني والاقتصادي والاجتماعي، إذ أن استمرار نشاط شبكات التهريب يجد جذوره في عوامل أعمق مثل البطالة والهشاشة الاقتصادية في بعض المناطق الساحلية.

خاتمة: درس قاسٍ ورسالة واضحة

قضية القائد السابق لمركز الدرك الملكي بتغازوت ليست مجرد ملف جنحي عابر، بل محطة مفصلية في مسار مواجهة المغرب لشبكات التهريب الدولي للمخدرات. الرسالة التي بعثها القضاء واضحة: لا أحد فوق المحاسبة. لكن الرسالة الأخرى، الأعمق، هي أن الحرب ضد الجريمة المنظمة تتطلب أكثر من مجرد أحكام قضائية، إنها تحتاج إلى حصانة مؤسساتية صلبة، ورقابة مجتمعية دائمة، ورؤية استراتيجية تتجاوز حدود اللحظة.

اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *