حوادث

قضية تعنيف الطفلة م.ص بأصيلة… حين يتحوّل التعليم الخصوصي إلى جحيم مُمَنهج بصمتٍ إداري مُخجل

شارك المقال
شارك المقال

المقال المغربي

لا شيء يُبرر تحويل المدرسة إلى ساحة تعذيب، ولا شيء أفظع من أن يُنتزع الأمان من قلب طفلة قاصر على يد من يفترض أن يكون مربياً ومرشداً. هذه ليست حبكة درامية في مسلسل تراجيدي، بل هي مأساة حقيقية تعيشها الطفلة م.ص بمدينة أصيلة، بعد أن تحولت حصص الرياضيات إلى جلسات صراخ وتنكيل نفسي وجسدي من طرف أستاذة سبق وأن سُجّلت ضدها سوابق مماثلة دون أن تتحرك الجهات المعنية لردعها.

ما وقع بين جدران مؤسسة تعليمية خصوصية ليس مجرد “سوء تفاهم تربوي” ولا “طريقة تأديبية زائدة”، كما يحاول البعض تسويق الأمر، بل هو انتهاك جسيم لحقوق طفلة دفعتها المعاناة النفسية المستمرة إلى التفكير في الانتحار، بل والبوح الصادم بأن أستاذتها ب.ش أمرتها بذلك! أي منطق هذا؟ وأي تربية هذه؟

النيابة العامة بأصيلة، مشكورة، استشعرت خطورة الواقعة، وكلفت الشرطة القضائية بفتح بحث معمق في القضية. لكن التحقيق وحده لا يكفي، إن لم يتبعه مساءلة حقيقية لكل من فرّط أو تستر. فالتقارير الطبية الصادرة، خاصة ذلك الصادر عن مستشفى الرازي للأمراض النفسية بطنجة، يكشف بوضوح أن الضرر لم يكن عابرا، بل دائم وعميق. الطفلة تعاني اليوم من مرض نفسي مزمن، سيكون رفيقها ربما مدى الحياة، نتيجة اعتداءات متكررة داخل فضاء يفترض فيه الأمان.

الأخطر أن هذه الأستاذة لا تدخل لأول مرة دائرة الاتهام. لديها سجل معروف في تعنيف التلاميذ بمؤسسات أخرى داخل المدينة. والسؤال الجوهري: كيف استمرت في مزاولة المهنة؟ كيف تم التغاضي عن شكايات سابقة؟ ومن وفر لها الغطاء الإداري للاستمرار في هذا المسار الأسود؟ هذا هو الخلل البنيوي الذي يفضحه هذا الملف، ويضع نظام التعليم الخصوصي برمته تحت مجهر المساءلة.

أما عن محاولة الأستاذة قلب الحقائق بادعاء أنها ضحية، فهي محاولة يائسة سرعان ما فندها الواقع، خصوصا بعد فضيحة الشهادات الطبية المتناقضة التي حصلت عليها بطرق مشبوهة. شهادة بـ8 أيام وأخرى بـ16 يوما في اليوم نفسه ومن نفس المستشفى؟ ثم عودتها للعمل قبل انقضاء المدة الطويلة؟ المحضر القضائي الذي وثق عودتها للعمل يزيد من منسوب الشبهات، ويفتح الباب أمام شبهة التزوير والتواطؤ الإداري، التي يجب أن لا تمر مرور الكرام.

بيان المرصد الوطني لتخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد جاء ليقرع جرس الإنذار بقوة. فالقضية تتجاوز الآن أبعادها الفردية، وتكشف هشاشة منظومة الرقابة على مؤسسات التعليم الخاص، وغياب المحاسبة في قطاع يفترض أن يربّي الأجيال لا أن يدمرها.

إنها جريمة متكاملة الأركان، تفضح تقصيراً مهنياً وإدارياً وأخلاقياً، وتكشف كم هو سهل على بعض “الأساتذة” أن يتحولوا إلى جلاّدين، وعلى بعض الإدارات أن تصير أدوات تواطؤ أو صمت.

الرسالة واضحة: لا صمت بعد اليوم. طفلة كُسرت من الداخل تنتظر عدالة لا ترأف، وضمائر لا تخاف، ومؤسسات لا تجامل، وقوانين تُطبّق لا تُعلّق على مشجب “الخصوصية”.

فهل يكون ملف الطفلة م.ص لحظة مفصلية في إصلاح التعليم الخصوصي ومساءلة المتواطئين فيه؟
وهل تعود المدرسة حضناً تربوياً بدل أن تكون مصدر رعب ومرض نفسي دائم؟

الأجوبة مرهونة بجرأة العدالة، وصرامة الدولة في حماية طفولتنا. لأن ما يحدث الآن، هو ببساطة خيانة جماعية للطفولة.

اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *