نورالدين ثلاج -المقال المغربي
تشهد مدينة خريبكة كل سنة تظاهرة مسرحية متميزة، تؤكد أن الفعل الثقافي لا يحتاج إلى وفرة الإمكانات بقدر ما يحتاج إلى إيمان حقيقي برسالة الفن، ويتجلى ذلك بوضوح في مهرجان الرواد الدولي للمسرح، الذي استطاع أن يرسّخ مكانته ضمن التظاهرات المسرحية الجادة، من خلال تراكمه النوعي، وإصراره على الانفتاح على تجارب فنية متنوعة، رغم التحديات البنيوية واللوجستيكية التي تواجهه.
لقد استطاع هذا المهرجان، الذي تنظمه جمعية الرواد بخريبكة، أن يخلق دينامية مسرحية محلية وعربية، من خلال استضافة فرق مسرحية من مختلف جهات المغرب، ومن دول الخليج العربي، وأوروبا، وإفريقيا، مما جعل مدينة خريبكة فضاءً للتلاقح الثقافي والتفاعل الفني الخلّاق. فرغم محدودية الموارد المالية وغياب البنيات التحتية الملائمة، مثل المسارح الحديثة أو القاعات متعددة الوظائف، ظل المهرجان وفيا لرسالته في جعل المسرح وسيلة للتعبير، والحوار، والنقد، والتنوير.
وتكمن خصوصية مهرجان الرواد في اعتماده على روح المبادرة، والتطوع، والإيمان بقدرة الفن على تجاوز الحدود الجغرافية والفكرية. فالإدارة المنظمة تنهج منذ دوراته الأولى سياسة الانفتاح على مدارس مسرحية متنوعة، من المسرح التجريبي إلى المسرح التفاعلي، ومن العروض الكلاسيكية إلى التجارب الطليعية، مع تخصيص فضاءات للعروض في الهواء الطلق، أو في قاعات بسيطة، حولت بشغف المنظمين إلى مسارح حقيقية تحتضن شغف الممثلين وأحلام الجمهور.
لقد شكّل المهرجان أيضا منصة لتكريم رموز المسرح المغربي والعربي، وتقديم الندوات الفكرية، والورشات التكوينية، واللقاءات التفاعلية بين الفنانين والطلبة والجمهور، وهو ما أسهم في خلق جمهور مسرحي واعٍ ومتعطّش للفن الجاد، وجعل من خريبكة مدينةً مسرحية بامتياز، رغم بعدها الجغرافي عن المركز، ورغم هيمنة الخطاب الاقتصادي المرتبط بالفوسفاط على تمثلاتها العامة.
وفي سياق ثقافي مغربي يتسم أحيانا بتهميش الفعل الثقافي الجاد، يقدّم مهرجان الرواد نموذجا لما يمكن أن يحققه الإصرار والإبداع من إشعاع، ليس فقط محليا، بل وطنيا ودوليا. فهو يبرهن على أن العمل الثقافي يمكن أن يشكل قاطرة للتنمية الرمزية، وبناء الجسور بين الشعوب، وإعادة الاعتبار للمسرح بوصفه فنّا للحياة.
إن مهرجان الرواد الدولي للمسرح بخريبكة، في ظل كل ما يواجهه من إكراهات، يقدم درسا بليغا في الإبداع من قلب الهامش، ويؤكد أن الثقافة ليست ترفا، بل ضرورة حضارية، وقوة ناعمة لصناعة الأمل
اترك تعليقا