بقلم نورالدين ثلاج*
ما كان يفترض أن يكون تعبيرًا عن التضامن الاجتماعي وحماية كرامة الفئات الهشة، يصبح في الكثير من السياقات أداة انتخابية مفضوحة. قفة رمضان، الأضاحي، الأدوات المدرسية لتلاميذ الدخول المدرسي… كلها محطات أصبح بعض المرشحين يستثمرها لاستعراض النفوذ، وبناء الولاءات، واستغلال الفقر كرصيد سياسي مباشر.
حين يشاهد المواطن مرشحًا برلمانيًا يوزع آلاف القفف الرمضانية أمام أعين الجميع، أو يمول آخر جمعيات تقوم بتوزيع الأضاحي، أو يُحضِر نفسه لتسليم المحافظ والدفاتر لتلاميذ بعينهم، فإنه يواجه حقيقة مؤلمة: الإحسان هنا لم يعد فعلًا إنسانيًا، بل أصبح وسيلة لاستقطاب الأصوات، وأداة ضغط معنوي، وواجهة لتلميع الصورة السياسية. ما يفترض أن يكون تضامنًا، يتحوّل إلى حملة انتخابية موسمية لا يخرج المستفيد منها إلا بشعور ضمني بالولاء أو الامتنان.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو دور السلطة المحلية، سواء بحضورها أو تغاضيها عن هذه الممارسات. الفضاء العمومي، الذي يفترض أن يكون حياديًا، يتحول أمام أعينها إلى ساحة استعراض انتخابي، ويتحوّل القانون من أداة لضمان نزاهة التوزيع إلى ستار يغطي الانتهاكات. بذلك، لا يُستثمر الفقر فقط، بل تُستغل المؤسسات لضمان استمرار التحيز السياسي على حساب تكافؤ الفرص والمواطنة.
الإحسان العمومي بهذه الطريقة يُفرغ من قيمه الإنسانية، ويحوّل الفقراء إلى أدوات مؤقتة لإعادة إنتاج السلطة، ويجعل من التضامن الاجتماعي رافعة للنفوذ الرمزي والسياسي بدل حماية الحقوق والمواطنين. القفف، الأضاحي، والمحافظ المدرسية لم تعد أدوات دعم، بل وسائل ضغط سياسي وظرفية انتخابية.
الرهان الحقيقي ليس في منع الإحسان، بل في فضح هذا التسييس، تفكيك آليات الاستغلال، وربط كل توزيع جماعي بالقانون، وفرض الشفافية والمساءلة الصارمة. يجب أن يظل الإحسان العمومي فعلًا إنسانيًا مستقلًا عن أي حسابات انتخابية، وليس ساحة لتلميع المرشحين أو إعادة إنتاج النفوذ السياسي على حساب كرامة المواطنين.
* إعلامي وباحث في التواصل الثقافي والإعلام
اترك تعليقا