لا تخلطوا بين الحقيقة والضجيج الرقمي. فالمجتمعات المتقدمة لا تُبنى بالصراخ

بقلم عزيز أخواض*

أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تحولات عميقة في طرق إنتاج المعلومة وتداولها، وأصبحت فضاءً مفتوحا للتعبير عن الرأي ومناقشة القضايا العامة. وقد أسهم هذا التحول في توسيع دائرة المشاركة المجتمعية وتعزيز الاهتمام بالشأن العام، كما منح المواطنين إمكانات أكبر لمتابعة قضايا التنمية والحكامة والمساءلة.

غير أن هذا المكسب لم يخلُ من اختلالات وممارسات سلبية، من أبرزها ظهور بعض الصفحات والحسابات التي جعلت من التشهير والإثارة واستهداف الأشخاص والمؤسسات والرموز الوطنية مادة يومية لاستقطاب المتابعين وتحقيق الانتشار. ويزداد الأمر تعقيدا حين تكون بعض هذه الصفحات مسيرة من خارج الوطن، بما يجعلها بعيدة عن الواقع الميداني وتعقيداته، وأكثر ميلاً إلى الأحكام الجاهزة والخطابات الانفعالية.

ومن الضروري التأكيد أن النقد حق مشروع، بل إنه شرط أساسي لأي مجتمع يسعى إلى التطور والإصلاح. فلا أحد ينكر وجود اختلالات أو حالات فساد أو أخطاء في التدبير تستوجب المعالجة والمحاسبة. غير أن الفرق كبير بين النقد المسؤول القائم على الوقائع والمعطيات، وبين خطاب التشهير الذي يقوم على التعميم والإثارة وإصدار الأحكام دون أدلة كافية.

لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن المجتمعات المتقدمة لم تُبنَ بالصراخ، ولم تنهض بالاتهامات المجانية، ولم تحقق تقدمها عبر نشر الإحباط وفقدان الثقة في كل شيء. بل شيدت مؤسساتها على المعرفة والعمل الجاد وسيادة القانون واحترام المؤسسات وثقافة النقد البناء.

ومن هنا، فإن الرسالة الأساسية يجب أن توجه إلى المتابعين قبل غيرهم. فليس كل ما يُنشر على المنصات الرقمية حقيقة، وليس كل من يرفع صوته يمتلك المعلومة الدقيقة، وليس كل من يقدم نفسه مدافعاً عن المصلحة العامة يعمل فعلا من أجل الإصلاح. فالحقيقة تحتاج إلى أدلة، أما الضجيج فيكفيه أن يثير الانفعال ويستقطب المشاهدات.

وفي المقابل، من الإنصاف الإقرار بأن المغرب عرف خلال الربع قرن الأخير دينامية تنموية وإصلاحية مهمة شملت مختلف المجالات. فقد أطلق أوراشا كبرى في البنيات التحتية، وعزز مكانته الاقتصادية والدبلوماسية، وأرسى برامج اجتماعية رائدة، من بينها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتعميم التغطية الصحية، والدعم الاجتماعي المباشر، والجهوية المتقدمة، إلى جانب مشاريع استراتيجية جعلت المملكة نموذجاً إقليميا في عدد من القطاعات.

ولا يعني الاعتراف بهذه المنجزات إنكار وجود نقائص أو اختلالات، فذلك أمر تعرفه جميع الدول دون استثناء. غير أن الموضوعية تقتضي النظر إلى الصورة كاملة، وعدم اختزال واقع بلد بأكمله في بعض الحالات المعزولة أو الأخطاء التي يمكن معالجتها ضمن آليات دولة المؤسسات والقانون.

كما يحق للرأي العام أن يتساءل حول الجهات التي قد تستفيد من خطابات التبخيس المستمر والتشكيك الممنهج في كل إنجاز، لأن بعض الأطراف قد تجد في نشر الإحباط وفقدان الثقة وسيلة لخدمة أجندات معينة أو تصفية حسابات لا علاقة لها بمصالح المواطنين الحقيقية.

إن مكافحة الفساد هدف نبيل، والدفاع عن الشفافية مطلب مشروع، لكن ذلك لا يتحقق عبر السب والقذف والتشهير، وإنما عبر دعم المؤسسات، وتعزيز الصحافة المهنية، وتشجيع البحث عن الحقيقة بالوسائل القانونية والأخلاقية التي تحترم كرامة الأفراد والمصلحة العامة.

فحب الوطن لا يعني الصمت عن الاختلالات، كما أن النقد لا يعني إنكار المنجزات. وبين التهليل الأعمى والتبخيس الممنهج توجد مساحة واسعة اسمها الموضوعية، وهي أساس كل نقاش عمومي مسؤول، وشرط ضروري لبناء مجتمع واعٍ قادر على التمييز بين الحقيقة والضجيج، وبين الإصلاح والفوضى.

*ناشط مدني وإعلامي

Exit mobile version