التعليم العالي بالمغرب.. منظومة متكاملة تتيح الفرصة للجميع

بقلم الدكتور توفيق يحياوي مدير المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير ببني ملال

يشكل التعليم العالي بالمغرب منظومة متكاملة ومتعددة المسارات، تقوم على مبدأ أساسي يتمثل في إتاحة فرص التكوين والتأهيل أمام مختلف فئات المجتمع، كل وفق مساره وحاجياته وظروفه. فهي منظومة تجمع بين التكوين الأساسي للطلبة، والتكوين المستمر لتطوير المهارات، والتكوين عن بعد لتجاوز بعض المعيقات، والتكوين بالتناوب لربط الجامعة بمحيطها المهني، فضلًا عن التكوين بالزمن الميسر لفائدة من حالت ظروفهم المهنية والاجتماعية دون استكمال تكوينهم في التوقيت العادي.

بعيدًا عن أيّ نقاش، كيفما كان نوعه أو مصدره أو الجهة التي تدعمه، حول التكوين بالزمن الميسر، لا ينبغي اختزال النقاش حول منظومة التعليم العالي في مسألة الرسوم فقط. فهذا الاختزال قد ينم عن سوء فهم لفلسفة المنظومة أو عن الامتناع عن استحضار مختلف أبعادها.

والحقيقة التي يتعين التأكيد عليها هي أن القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، إلى جانب القرارات التي تتخذها مجالس الجامعات في إطار اختصاصاتها، يسعى إلى تنزيل مضامين إصلاح مؤسساتي قائم على التفكير الجماعي والمسؤولية، بما يضمن لكل فئة من فئات المجتمع حقها في التكوين، دون إقصاء أو هضم لحقوق فئة لفائدة أخرى.

وقد كرس القانون مبدأ دعم الطالب الملتحق بالتعليم العالي العمومي، وتمكينه من الولوج إلى المؤسسات الجامعية وفق الاستحقاق، مع الاستفادة من مختلف آليات الدعم، وفي مقدمتها المنحة الدراسية وفق معايير محددة. كما تم العمل على تحديث منظومة الولوج، والرفع من الطاقة الاستيعابية، وتطوير الولوج ، وخلق جسور بين مختلف المسارات، بما يمنح الطالب اختيارات متعددة تتلاءم مع مساره الدراسي وقدراته وتطلعاته.

لم يعد التكوين الجامعي محصورًا في نموذج واحد؛ فالطالب يمكنه الاستفادة من التكوين الحضوري، أو التكوين عن بعد عندما تفرض الظروف ذلك، أو التكوين بالتناوب في المسالك المهنية التي تستوجب الجمع بين الدراسة والممارسة المهنية، فضلاً عن الاستفادة من الحركية الوطنية والدولية. وهذه المنظومة تستفيد منها اليوم أعداد كبيرة من الطلبة بالتعليم العالي العمومي، بما يعكس تطوراً كمياً ونوعياً في العرض الجامعي.

أمّا بالنسبة لمن استكمل تكوينه الأساسي وحصل على دبلوم، ثم ولج سوق الشغل، فإن مساره التعليمي لا ينبغي أن يتوقف عند هذه المرحلة. فالتكوين مدى الحياة أصبح ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة في سوق الشغل والمعارف والمهن، وهنا تبرز أهمية التكوين المستمر باعتباره آلية لتطوير الكفاءات وتحيين المعارف والمهارات.

ومن الطبيعي أن يكون التكوين المستمر مؤدى عنه، بالنظر إلى طبيعته الخاصة وما يتطلبه من موارد بشرية وبيداغوجية ولوجستيكية وتنظيمية إضافية، وهو تكوين يخضع لنصوص وأنظمة تؤطره، ويمكن أن يتوج بشهادات أو دبلومات جامعية، وفق طبيعة المسلك والتكوين.

وفي السياق ذاته، يبرز التكوين بالزمن الميسر كأحد المسارات التي تستجيب لحاجيات فئة محددة من المواطنين الذين استكملوا تكوينهم الأساسي، والتحقوا بسوق الشغل، وأصبحوا مرتبطين بالتزامات مهنية وعائلية تجعل من الصعب عليهم متابعة الدراسة وفق التوقيت الجامعي العادي.

فهذه الفئة ليست في وضعية الطالب الذي يلج التعليم العالي لأول مرة، وإنما يتعلق الأمر بأشخاص راكموا تجربة مهنية، وأصبح لهم توقيت عمل والتزامات مختلفة، ويرغبون، رغم ذلك، في العودة إلى الجامعة واستكمال تكوينهم والحصول على دبلوم وطني.

ومن هنا جاءت فكرة التكوين بالزمن الميسر، باعتبارها استجابة بيداغوجية وتنظيمية لهذه الحاجيات، بما يسمح بالجمع بين العمل والدراسة، دون أن يكون ذلك على حساب الطلبة الملتحقين بالتعليم العالي في إطار التكوين الأساسي.

وهنا تبرز أهمية استقلالية الجامعة في المجال البيداغوجي والعلمي، باعتبارها آليّة تمكن المؤسسات الجامعية من ابتكار وتنظيم مسارات تكوينية تستجيب للتحولات الاجتماعية والمهنية، مع احترام القانون والضوابط المؤطرة للتعليم العالي.

والأهم في هذا النقاش هو التأكيد على أن الطالب الذي يلتحق بالتعليم العالي العمومي لأول مرة، ويواصل مساره الدراسي دون مغادرة المنظومة، يستفيد من التكوين العمومي وفق القواعد المعمول بها، ولا ينبغي أن تختلط وضعيته بوضعية شخص غادر المنظومة التعليمية بعد حصوله على دبلوم، ثم عاد إليها بعد سنوات من العمل من أجل استكمال تكوينه أو تطوير مساره المهني.

إنّ تحقيق العدالة في التعليم لا يعني بالضرورة تقديم الخدمة نفسها لجميع الفئات وفي الظروف نفسها، وإنما يعني مراعاة اختلاف الأوضاع والحاجيات، وتوفير مسارات ملائمة لكل فئة، بما يضمن عدم المساس بحقوق فئة لفائدة أخرى.

ومن المفيد التذكير بأنّ التكوين بالزمن الميسر ليس تجربة وليدة اليوم، فقد تم اعتماده منذ سنوات، وتخرج منه عدد من الأطر التي تشغل اليوم مواقع ومسؤوليات مختلفة، بعدما مكنها هذا النمط من التكوين من تجاوز إكراهات العمل والالتزامات المهنية، واستكمال مسارها الأكاديمي.

وعليه، فإنّ الرسوم المرتبطة بالتكوين بالزمن الميسر ينبغي النظر إليها في إطار فلسفة هذا النوع من التكوين، وما يتطلبه من موارد وإمكانات وتنظيم خاص، وليس باعتبارها رسماً على التعليم العمومي في مفهومه العام.

إنّ الرهان الحقيقي اليوم ليس هو وضع فئة في مواجهة فئة أخرى، وإنما بناء منظومة تعليم عالٍ قادرة على الاستجابة لمختلف التحولات والحاجيات المجتمعية والمهنية، وعلى ضمان تكافؤ الفرص، مع الحفاظ على مجانية التكوين الأساسي وفق الضوابط القانونية، وفتح المجال أمام الراغبين في استكمال تكوينهم وتطوير كفاءاتهم عبر مسارات ملائمة لظروفهم.

إنّ التعليم العالي الناجح هو الذي يستطيع أن يجمع بين الإنصاف والاستحقاق، وبين المجانية في إطارها القانوني، وتنويع مسارات التكوين، وبين استقلالية الجامعة وحرية المبادرة البيداغوجية والعلمية.

ومن هذا المنطلق، فإن التكوين بالزمن الميسر لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره إقصاءً أو تمييزًا، بل باعتباره فرصة ثانية لفئة من المواطنين، ومسارًا إضافيًّا ضمن منظومة جامعية متعددة الخيارات، هدفها النهائي تمكين الجميع من تطوير معارفهم وكفاءاتهم، كل وفق ظروفه ومساره وحاجياته، وفي إطار القانون.

إن الجامعة المغربية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تكون جامعة مفتوحة على المجتمع، قادرة على مواكبة المتغيرات، والاستجابة لحاجيات الطلبة والمهنيين والأجراء، وأن تجعل من استقلاليتها البيداغوجية والعلمية وسيلة لتطوير التكوين والبحث والابتكار، بما يخدم الإنسان والمجتمع والتنمية.

وهذه هي، في نهاية المطاف، فلسفة منظومة التعليم العالي، حيث تتعدد المسارات، وتتسع الفرص، ويجد كل مواطن المسار الذي يلائم وضعه، دون أن يكون حق فئة في التكوين سبباً للمساس بحق فئة أخرى.

Exit mobile version