هل ضحكوا علينا في دروس التاريخ؟

هل ضحكوا علينا في دروس التاريخ؟

عمر راغب زيدان :

بداية لابد أن نعترف بأن تاريخنا لم يكن لنا يد في كتابة فصوله، وإنما كتبه لنا غيرنا، هذه الحقيقة المرة التي لا نريد الاعتراف بها: فتاريخنا العربي أغلبه تاريخ سياسي، وهذا النوع من التاريخ يكتبه المنتصر؛ فيفرض نظرته هو، ويسطر فيه ما يشاء، حتى إن كانت أكاذيب، فيجعل من العميل بطلًا قوميًا، فيما يصف المقاوم بالخائن الذي دمر البلد.

تلك الأكاذيب للأسف التي ملأت بطون كتب التاريخ أصبحت اليوم قناعات يعتمد عليها الكثيرون حين يقرأون التاريخ، ويبنون عليها مواقفهم في التعامل مع الحاضر، ومن المؤسف أنه لم يبق محصورًا على الجانب السياسي من التاريخ فحسب، بل انسحب على الجانب الديني كذلك؛ فأغلب الروايات التاريخية المكذوبة التي حيكت في فترة الصراع السياسي الديني أصبحت هي الأصل للتعامل مع هذه الطائفة أو ذاك المذهب، ولم يعد أحد يستمع للروايات الصحيحة، التي توحد ولا تفرق؛ ما أدى إلى تعميق الشرخ بين أفراد ومكونات الأمة.

ومن المهم أن نذكر أن التاريخ أغفل أحداثًا مهمة من ضمنها حياة الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم وردود أفعالهم على تلك الأحداث، سواء كانت سياسية أو غيرها.

لقد عاشت منطقتنا العربية في صراعات لا تكاد تنقطع، سواء بسبب الخطر الخارجي أو الصراعات الداخلية؛ ما أدى إلى تدمير الكثير من مخزوننا التاريخي، لذلك لم يعد لدينا استمرارية، فكثير من كتب التاريخ تجدها مبعثرة هنا وهناك؛ فيضيع الكاتب بين البحث والتنقل وفقدان المصادر.

ولو رجعنا إلى الوراء قليلًا، لوجدنا أنه منذ القرن الخامس عشر الميلادي بدأ الغرب بكتابة تاريخنا عن طريق المستشرقين، وأستطيع القول: إن هذا التاريخ هو الحد المفصلي الذي قرر فيه الغرب أن تكون شعوبنا متخلفة لا صلة لها بالحضارة، في الوقت الذي أورثنا جميع إبداعاتنا السابقة للغرب، وهذا هو نفس الوقت الذي بدأ الغرب بالخروج من العصور المظلمة فيما دخلناها نحن.

فما الذي حدث في ذلك التاريخ، وتلك المرحلة مفصلية؟

في تلك الفترة فتح السلطان «محمد الفاتح» مدينة القسطنطينية، وهي كانت بمثابة «الفاتيكان» في ذلك الوقت، فأحدث هزة في العالم الأوربي، ويقال: إنه منذ تلك اللحظة زرعت بذرة الاتحاد الأوروبي، فلم يسبق أن اتحدت أوروبا كما اتحدت في ذلك الوقت.

وكان أول قرار اتخذوه قبل قتال العثمانيين، هو التخلص مما أسموه الجزر الإسلامية في أوروبا، لذلك اتحدت أوروبا بالكامل؛ لإخراج المسلمين من «الأندلس» سنة 1492م.

وفي تلك الفترة أيضًا بدأت الاستكشافات البحرية، والتي يتم تدريسها في مدارسنا على أنها استكشافات بحرية، ولكنها لم تكن كذلك، بل كانت عبارة عن غزو أوروبي لمنطقة العالم الإسلامي، وفي تلك الفترة استسلم العالم الإسلامي لمصيره، وتوقف عن مواصلة حياته، بينما بدأ عصر الصناعة في أوروبا.

لا تزال مجتمعاتنا العربية تعيش مشكلة قلة القراءة، إن لم نقل ندرتها- خاصة في مجال التاريخ – وحتى إذا أراد القارئ أن يقرأ، فإنه لا يجد شيئًا من الكتب تستحق القراءة؛ فنظام النشر الذي تعتمده دور النشر في عالمنا العربي يكاد يكون فوضويًا، فليس هناك حقوق للكاتب؛ فالكتاب الذي يتعب عليه سنوات، إما أن تنتقل حقوقه لدار النشر، أو أن يكون متاحًا للجميع عن طريق الإنترنت، ناهيك عن مقص الرقيب، بينما تجد الأمر في الغرب مختلفًا تمامًا؛ فعلى سبيل المثال: إحدى دور النشر البريطانية تقول إنها تختار كتابًا واحدًا من مائة ألف كتاب يرد عليها سنويًا.

إن القراءة الحثيثة بعقلية واعية تحفز فينا النقد البناء لاستخراج الأحداث الناصعة من تاريخنا وترك ماعلق به من تزييف وتحريف، لذلك لابد أن يكون لدينا عقلية نقدية تدفعنا إلى مراجعة المعلومات المغلوطة، فالإمام البخاري ـ على سبيل المثال ـ لم يكتب كتابه الجامع، إلا يوم أن فكر بعقلية نقدية؛ لرفض كل الأحاديث الموضوعة، وهذا الأمر يجب أن ينسحب على الجانب التاريخي والديني والسياسي وغيره.

لقد وقعنا ضحية ما تلقيناه من معلومات تاريخية أيام الدراسة؛ لأن التاريخ الذي درسناه ما كان إلا تاريخًا أرادت الحكومات تدريسه لنا، وأخفت عنا كثيرًا من المعلومات والحقائق، لذلك لابد من مراجعة وعينا التاريخي، ولا نقبل أن يضخ في رؤوسنا معلومات لا أصل لها.

 

 

Share